21/08/2005

منهج التعارف الانساني في الاسلام

لئن كان الاسلام دينا سماويا فإنه أيضا فكر شمولي، لا يستعصي عليه حل المعضلات والمشكلات التي تواجه الامم، ولهذا توجب على المسلمين ابراز هذا الجانب في الاسلام كلما كان ذلك ممكنا، لاسيما في قضية التعارف الانساني، فنحن نرى الى تباعد الشقة بين الاسلام والغرب، ومع تقدم العهد نحن أحوج ما نكون ابدا الى مد الجسور للانتقال من ظلمة العنصرية الى نور التعارف البشري. فالذي نحن فيه كأمم من تنافر واختلاف أشد علينا من ويلات الحروب الطويلة.. ولهذا طرح الدكتور الباحث حسن الباش مفهوم التعارف الانساني في وقت تتقلب فيه الضمائر وهي تروج للمفاهيم العنصرية دون رادع من خلق أو وازع من ضمير، متجاهلة ما ينجم عن هذا التصرف من دمار محدق بالشعوب الآمنة، فأصدر الباحث حسن الباش كتابه الأخير بعنوان «منهج التعارف الانساني في الاسلام» وقسمه الى خمسة فصول، تناول فيها عدة محاور، ومن اهمها:

مبادئ التعارف الانساني: ‏

1 ـ التساوي في الخلق: نسلت الخليقة اجمعها من ذكر وأنثى، من آدم وحواء، فهذه الأمم تؤكد باختلافها وحدة الأصل والمنبت: «وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا» (19يونس). ‏

وهذا الاختلاف لا يؤكد عظمة الخالق فحسب، وإنما يبرر مشيئة الخالق في الحساب والعقاب والامتحان، لهذا نرى الاختلاف مسوغا في قوله تعالى: «ولو شاء ربك لجعل الناس امة واحدة، ولا يزالوان مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم» (118 ـ 119هود). ‏

2 ـ التنوع لا التناقض: يتجلى مفهوم التنوع في كيفية التعامل مع عباد الله على اختلافهم، لتكون التقوى معيار التمايز بين الناس: «يا ايها الناس انا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند الله اتقاكم» (الحجرات 13). ‏

3 ـ العدل: فيه تتكافأ الكفتان، وتنضفر الأمم وفق علاقة السبب والنتيجة فالأمم المسالمة تستوجب من المسلمين البر بها والعدل في التعامل معها، وحفظ المواثيق والعهود والصفح والعفو الكريم. ‏

4 ـ تعزيز المصالح المشتركة بين الشعوب لتسهيل حركة التعارف. ‏

حمد الاسلام المذهب الانساني في التعامل مع الآخر، ولهذا لا يخفى على الباحث مفاتيح هذا التعامل، وكما لا يضل الطريق التي تحفظه على دينه في الوقت الذي يتواصل فيه مع الآخر، فكما هو مبين من الآية الكريمة عدم الخوض فيما يسيء الى اهل الكتاب، والبقاء ضمن الاطر المشتركة التي تدين بإله واحد: «ولاتجادلوا اهل الكتاب إلا بالتي هي احسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل الينا وأنزل اليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون» (العنكبوت 46). ‏

تمكن النبي محمد (ص) بمحض الرسالة التي حملها أن يشرع منهجاً وسلوكاً للتعامل، فآلت الأحداث التي مر بها الى مدرسة للتعامل والتعارف، فلم يغمض الرسول حق اليهود والنصارى في المعاهدات التي أبرمها، بل أمّن اصحاب العقائد السماوية على عقائدهم. ‏

وكما اشار الباحث الى مراحل التعارف الانساني في الاسلام، وهي: ‏

ـ الكتب والرسائل الموجهة من النبي الى ملوك الأمم الأخرى، يدعو الى الاسلام بعد أن بيّن ايمانه المطلق بنبوة المسيح. ‏

ـ مد الفتوحات الاسلامية القائم على احترام عقائد الشعوب الأخرى، وتخييرهم بين البقاء على دينهم أو اعتناق الدين الاسلامي. ‏

ـ تنشيط حركة الترجمة: التي تفتحت مغاليقها في العصر العباسي، ويعد تشجيع حركة الترجمة مؤشرا على تفتح العقلية الحاكمة آنئذ. ‏

ـ نهوض النشاط الفكري والفلسفي: الذي يتجاوب مع الغنى الفكري والفلسفي لدى الشعوب الأخرى لا سيما اليونانية. ‏

ـ تنشيط حلقات المناظرة والحوار. ‏

وميز الباحث الفرق بين التعارف القسري والتعارف الحر، ورأى أن العرب قد تمكنوا بأريحيتهم ولين جانبهم من السعي الدؤوب وراء الحضارة الغربية للإفادة منها وفق ما تقتضيه روح الاسلام، ولم يخلف في ذاتهم ادنى شعور بالنقص، لثقتهم بعراقة حضارتهم التي أينعت ثمارها في نهضة الفكر الغربي، وإننا نستطيع القول: إن التاريخ الاسلامي كله بمعنى من معانيه يدور حول محورين، هما نشر ثقافتهم والافادة من ثقافة الاخر. ‏

ويظل التساؤل قائما، لماذا يخشى الغرب متاخمة الافكار الاسلامية، والتحاور مع العصب المسلمة المهاجرة الى بلاد الغرب، رغم عوزهم وجلدهم الشديد الى ضبط الجنوح الجنسي ومحاربة الفساد المتزايد بأشكاله، الذي رأينا له شبيها في القرون الحجرية، وفوق كل ذلك نرى بعضا من الغرب يقترح مفهوم صدام الحضارات بسبب البون الشاسع بين مفاهيمهم ومفاهيم الاسلام؟!.. لكن نظرة سريعة توضح ان الصدام الحقيقي وليد تناقض في سياسة الغرب وأميركا الخارجية، التي تناهض النازية وتؤيد الصهيونية في الوقت ذاته، وهذا هو النفاق بعينه. ‏

ميز الباحث الحدود المتداخلة بين مفهومين لا بد من الفصل بينهما، المسيحية والغرب.. فالغرب لا يمثل كله المسيحية؛ إذ فصل الغرب منذ القرن السادس عشر الدين عن الدولة، وتبنى العلمانية منهجا حياتيا وفكريا، ولهذا لا بد من أخذ الفروق بينهما بعين الاعتبار، وكما لا بد من اعتبار الحواجز التي تراكمت مع امتداد تاريخ العلاقات بين الغرب والاسلام واعادة النظر الى الحروب التي دارت بين الطرفين، فلم تكن هذه الحروب قتالا وإنما كانت ـ الى ذلك ـ صراعا بين العقائد. ان التقدم خطوة واحدة تجاه التعارف الانساني يتطلب تصفية المفاهيم المنحرفة والتعصب الديني والارهاب وحروب الابادة والعولمة. ولكن كيف يتم ذلك اذ استطاعت اميركا وحلفاؤها إلغاء قرار الأمم المتحدة الذي يعتبر الصهيونية حركة عنصرية عام 1992؟! فالصهيونية الى جانب كونها حركة استعمارية هي حركة عنصرية، اعملت عقولها لتصدير المفاهيم المشوّهة وإلصاقها بالإسلام مثل الارهاب، وفي الوقت ذاته تمتنع على نفسها قبول المجادلة بعنصريتها المفضوحة. ‏

يبرز الكاتب الوجه الصهيوني للعولمة، فهي لا تزيد عن ان تكون عتبة لتحقيق اطماع الصهيونية في السيطرة على سياسة العالم، تلك الحركة التي تطلب من الأمم ان توافيها من فورها لتذوب في كينونتها، وهكذا يصبح من الميسور أن يفرق الانسان بين العولمة والعالمية، اذ يقف كل منهما على طرفي نقيض من حيث الوضوح والتوجّهات حيث يزج بمفهوم العولمة الى الشعوب رغم صفاقة توجهاته وما يكتنفه من غموض، في حين يهمش مفهوم العالمية، الذي يقارب مفهوم التعارف الانساني من حيث الاعتراف بالآخر وإقامة العلاقات لتلبية المصالح المشتركة بين الامم، ونحن اذ نبسط مفهوم العالمية على هذا النحو نثبت حقيقة باهرة، تدل على التسامح الاسلامي كأساس في التعارف الانساني، وقد يكون كافيا أن نطلب الى الآخر المحافظة على هويته لاثبات صدق نيّاتنا. ‏

وينتقل الباحث الى توضيح المفهوم الثاني «اللاسامية» ويرى انه سيف هرتزل في وجه المجتمع الاوروبي لصنع دولة تجمع اليهود بعيدا عن الاضطهاد، الذي تلاقيه الاقليات اليهودية في أوروبا، فنحن اذا سلمنا أن العرب واليهود من عرق واحد، هو العرق السامي فهذا يعني أن المعاداة تلحق بالعرب قبل غيرهم، كونهم الاغلبية في المنطقة، ويعني ايضا معاداة الصهيونية للسامية في اضطهادها المستمر ضد الشعب الفلسطيني. ‏

ثم ينتقل الباحث الى آليات التعارف، فهو يرى ضرورة الانتقال من الاطر التنظيرية الى ميادين العمل بعد وضع مبادئ الحوار وموضوعاته، وتستوقفه عدة اسئلة تحوط بنظرة كل من العرب والاسلام الى الآخر، ورأيه في تراثه واعتناق عقيدته وأفكاره، وتظل مسيرة التعارف الانساني محفوفة بالمخاطر ما لم يبادر الطرفان الى توضيح المفاهيم المغلوطة بينهما. ‏

ويخلص الباحث الى أثر التعارف الانساني في تخفيف حدة التوتر الدولي والعداء بين الشعوب وتخفيف معاناتها، وتوحيد الموقف الدولي تجاه العنصرية والصهيونية. ومن نافل القول ـ اذاً ـ إن ظاهرة وصم الاسلام بالارهاب التي يتسع نطاقها يوما بعد يوم، لا يمكن ان تحل بين العرب والغرب بفتح نيران الحروب، حيث ثبت إخفاق مثل ذلك عبر التاريخ، اضافة الى التراكمات السلبية التي تترسّخ في عقائد الأمم.. فالقدر الذي تحققه الشعوب الاسلامية في التعارف الانساني هو القدر الذي تحققه في مواجهة العنصرية الصهيونية. ‏