تشرين
07/08/2016

مـوت السرد.. لا عتبارات ليست أدبيـة!

وصل السرد إلى حدّه الأعظم، والكلام الملقى على عواهنه بدأ يطفح من أكمام الشعر ويملأ السوق بروايات السوالف والحكي المكتوب،

 فقط لأن حديثاً لابدَّ من أن يُفتح، ولأنَّ العالم بات يهتم بقصقصة التفاصيل الهامة وغير الهامة، وأيضاً لأن فرصة البعض ستكون أكبر عندما يكتبون عن الحرب ويرفعون منسوب الجرأة في تناول السياسة والدين والجسد بشكل يتناسب مع الجوائز وشروط المهرجانات العالمية التي تبحث في الأغلب عن خبطة تجعلها تتفرد في تقديم أسماءٍ يقولون إنها جديدة ومختلفة إلى المشهد!.
صحيح أن «نعية» السرد لم تُعلق بعد، لكن أحداً ما لابد من أن يطلق رصاصة الرحمة على هذه الهيستيريا التي تعصف بالفنون بلا جماليات سوى الغرام بالإسهاب و«نكش الخمير والفطير»، كما يقال في المثل الشعبي، فبعد أن تحول الكثير من الشعراء إلى رواة انسجاماً مع هاجس الإمعان في التفاصيل غير المدهشة والمملة، عدّل شعراء آخرون قصائدهم لتصبح فصولاً من روايات تتعكز على الكلام العادي بدعوى أن الشعر أصبح مثقلاً بالبلاغة والتكرار، مع أن الأخطاء الإملائية تملأ كتابات الناس ومن النادر أن نعثر على أي بلاغة تشير إلى ملامح لأبي تمام أو المعري في نصوص هذا النشء حتى نقول إن الجزالة في الألفاظ تحولت إلى مشكلة بالنسبة للقراء والنقاد!.
في موضة كتابة يوميات الحرب التي انتعشت بشدة خلال السنوات الماضية، تداخلت المذكرات الشخصية مع النص الأدبي، وسرد الحكايات المستهلكة مع الروايات المكتوبة بخبرات وتقنيات يمكن أن تضيف شيئاً جديداً للقارىء. الكثير من تلك الحكايات انشغلت بالبحث عن الشهرة أكثر من العبور إلى داخل الحدث بشكل مختلف ومدهش، الفكرة هنا كانت هي الغاية وليس الأسلوب، رغم أن الفكرة محفوظة عن ظهر قلب ويشاهدها الجميع عبر شاشات الفضائيات أو بالعين المجردة، وتالياً لا داعي لوضعها ضمن روايات لا تضيف للأدب شيئاً.. المسألة لا تتعلق بالتوثيق عبر الكتابة، بل ترتبط بالذائقة الجمالية أو بالحساسية التي يمكن أن تشرح الأحداث بشكل موضوعي بعيداً عن المواقف المصوغة قبل كتابة النص الذي يفترض أنه «روائي»!.
الجميع يغرق في السرد، ونحن نفقد صوابنا عندما نضطر لسماع كل هذا الهراء بدعوى التركيز على التفاصيل التي بللناها وشربنا ماءها مئات المرات من دون جدوى عملية على صعيد حواسنا الست أو الخمس.. إنها النصوص التي تبحث عن جائزة أو تكريم أو «فيزا» تدفع الكاتب إلى الصدارة محمولاً على اعتبارات ليست أدبية، وهو ما يعني ضمنياً أن الكثير من تلك النصوص تحتاج إعادة تقويم من أجل سحب نسبة المزاودة والمنفعة الشخصية منها، حتى لو صُنفت عالمياً من عيون الأدب السوري، ونالت الجوائز والاحتفاءات في غرب المتوسط، فمن الواضح أن النص السوري مازال ينحت بين الركام خصوصيته ويبحث عن خلاصه بعيداً عن الأسماء التي تصدرت المشهد في أيام الرخاء والحرب معاً.
الكثير من هذا الكلام ينطبق على الشعر والرواية من حيث المعيار القيمي، فمن يحتلون واجهة الإعلام والمهرجانات والتكريم، هم غير الذين يكتبون نصهم النيء في الظل، ومن يتم الاحتفاء بهم هم أنفسهم من كُرّموا في المناسبات السابقة، كأن هناك آلة ضخمة تصرّ على تعليب نصوص بعينها كي يتم تصدير نوع معين من الذائقة والمواقف والأسماء!.
من كثرة ما امتلأت آذاننا بالكلام الفارغ، أوشكنا نصرخ: ارحمونا من السرد!. ذلك الوباء الذي يتحمل تدمير الكثير من الذائقة سابقاً، يتنكب اليوم مهمة القضاء على ما تبقى من الجماليات في النص الشعري والروائي على نحو خاص، والسبب دائماً تحول «الحكي» إلى وصفة سحرية للشهرة والإقبال على السرد لأنه موضة أو لأن فرصته أكبر في إشهار المواقف غير الأدبية ومحاولات الاستعراض بهدف كسب الودّ، وكلها حالات غير أدبية للأسف!.