تشرين
07/08/2016

آفاق.. تحيّةٌ لسورية

هل هناك خصوصية ثقافية لبنية المجتمع السوري؟.. ما هي؟، وما الفائدة من إعادة قراءتها، والعالم يُنظّر لمفهوم «القرية الصغيرة»؟.

لكن الهجمة المعولمة تلك بجانبها الهمجي التي تجتاح الجغرافيا السورية حجراً وبشراً منذ خمس سنوات، هي من فرضت هذا السؤال، للبحث عن دورها التاريخي في هذا المشروع الكوني الجديد، ليجد الإنسان السوري نفسه وجهاً لوجه مع التاريخ،  وقد ساهم في صياغتها إبداعاً ونقداً وتأثيراً وتأثراً، وبالتالي فإن كل سوري هو مواطن عالمي من حيث تأثيره وتأثره بالثقافة العالمية تاريخياً، وهو سوري بامتياز من حيث خصوصيته الثقافية التي استقى أساساتها من جدلية بيئته الميتافيزيقية والمادية تاريخياً أيضاً، وبالتالي فإن كلّ سوري هو ذو بنية نفسية بعيدة كل البعد عن العصبية العرقية والقبلية والدينية، فالنزعة الإنسانية النادرة مازالت هي الوجه الحقيقي للثقافة -الهوية- الانتماء لكلّ سوري، وبعودة موجزة إلى المدونة البشرية، تتجلى لنا هذه الهوية الديناميكية الإنسانية، بامتياز، فعلى سبيل المثال لا الحصر: لم يكتف «زينون» ابن أفاميا، بما نهل من الفلسفة الإغريقية واليونانية بل أضاف لها رؤيته السورية، فظهرت الفلسفة الرواقية، لتجيب عن أكثر الأسئلة الملحة، في حينه، أما  بيت «حنانيا» فما زال قائماً في «باب شرقي» الدمشقي كنيسة، ليكون شاهداً على نقطة انطلاق دعوة السلام المسيحية، بشكلها السوري على يد بولس الرسول، والّتي قلبت ثقافة روما رأساً على عقب.. أما الرسالة المحمدية الّتي حضرت إلى دمشق بشكلها الجنيني، فقد كانت نواة لأول دولة عربية بشكلها المؤسساتي، بعد أن فرض التعدد الثقافي للمجتمع السوري مفهوماً جديداً للدولة السياسية، وتمشياً مع تلك البنية التعددية ظهر ما يسمى الإسلام الشامي القادر على قبول الآخر في مجتمعه، إضافة إلى ظهور مدارس أخرى تأثرت بما سبقها من الثقافة السورية بجانبها الفلسفي، ما أدى إلى صياغة رؤى جديدة للإسلام، تمثلت فيما بعد برفد «علم الكلام» في العالم الإسلامي بموسوعة «إخوان الصفا» التي كانت تصوغ رسائلهم الفكرية في مدينة «سلمية» السورية وتوزع في أصقاع الدولة العباسية، وسياسياً استطاعت تلك المجموعة دخول «تونس»، وتشييد مدينة «المهدية» الساحلية، التي ستمتلك مع الحفيد السوري «المعز» أكبر أسطول بحري في العالم، لتدخل به أراضي «مصر» من دون إسالة نقطة دماء واحدة، وتستبدل الجهل «الأخشيدي» بأكبر مؤسسة ثقافية متعددة الرؤية متمثلة بـ«الجامع الأزهر»، ودار «الحكمة» اللذين أُسِّسا تزامناً مع بناء القاهرة كعاصمة إسلامية حديثة ببنيتها الفكرية المتعددة المذاهب والرؤى، وقبل ذلك كان الإسلام بشكله الشامي، قد دخل «الأندلس» لإنشاء حضارة ازدهرت باحتوائها للآخر، وستكون صلة الوصل بين ماضي الحضارة البشرية وعصر التنوير الأوروبي، الّذي تبنى عليه الآن معظم العصرنة، بكلّ أنساقها المعرفية، وخاصة بما يخص مفهوم الدولة الحديثة وحقوق الإنسان.
فهل الأممية الجهادية هي جاهلة إلى هذا الحد بتلك البنية الاجتماعية الثقافية للسوريين وهي تدعو بكلّ هذا اليأس الدموي لإقامة دولة «داعشية» على أرض الشام؟! وقد استغلت مراكز البحوث المعولمة بثقافة القطبية الواحدة هذا الجهل الوهابي لقتل السوريين، لكونهم المثال الأصدق للقرية الكونية المتعددة الأقطاب التي تبشر بها العولمة بجانبها النظيف، والتي سوف تجد نموذجها الأمثل في كل قرية ومدينة وحي، والتي قد يختلف أعضاء تلك التشكيلات بانتماءاتهم السياسية أو العرقية أو الطائفية لكنهم قادرون على العيش معاً تحت شعار سورية لنا جميعاً.
ويبقى الجواب للمثل وللمشروع المعولم بأعلام بيضاء في ذمة المستقبل، والذي سوف يحدده صمود السوريين في وجه الهمجية المعولمة بالأعلام السوداء للتعبير عن ثقافتها اللاإنسانية، وعند انتصار القرية الكونية بمَثَلها السوري سيقف كل شرفاء العالم لأداء التحيّة لسورية.
fatehkalthoum@gmail.com