تشرين
07/08/2016

ما وراء الهرولة السعودية نحو الكيان الصهيوني؟!

لم تعد العلاقات بين الكيان السعودي والكيان الصهيوني سراً من الأسرار بل باتت تضج بها وسائل الإعلام جهاراً نهاراً وتجاوزت حتى متعلقات «التطبيع»
 بين الطرفين ووصلت إلى مرحلة توظيف «إسرائيل» إمكانات المملكة لإقناع بقية الدول العربية والإسلامية بالمبادرة لـ«التطبيع» مع الكيان الإسرائيلي وإلغاء أي أثر لكون هذا الكيان هو العدو الرئيس للأمة، كما وصلت إلى رفع مستوى التنسيق والتعاون في قضايا المنطقة وخاصة ما يتعلق باستخدام المجموعات الإرهابية التكفيرية التي يغذيها نظام بني سعود لمصلحة الأهداف المشتركة ومنها شن حروب الاستنزاف على محور المقاومة وتطويق إيران داخلياً وخارجياً واعتبارها «العدو» الأول للعالم العربي والإسلامي.
لذلك لاغرو أن تتسارع خطا تطوير العلاقات بين العرش السعودي والكيان الصهيوني وتزداد هرولة أتباع بني سعود للقاء حكام بني صهيون والارتماء في أحضانهم، حيث لم تعد اللقاءات والزيارات المتبادلة بعيدة عن الأضواء وفي الغرف المغلقة، بل باتت على المكشوف وتحت أضواء وسائل الإعلام الساطعة، ولا يكاد يمر أسبوع أو أسبوعان إلا وتنشر الصحف الإسرائيلية بالعناوين العريضة أخبار الاجتماعات والمحادثات بين الطرفين، ومؤخراً نشرت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية أن ضابط المخابرات السعودي السابق أنور ماجد عشقي، عقد عدة اجتماعات مع مسؤولين إسرائيليين وختم لقاءاته قائلا لمن التقاهم: نلتقي في الرياض إن شاء الله، في السنة القادمة.
وطبعاً هذه ليست المرة الأولى التي يزور فيها أنور عشقي علناً الكيان الصهيوني على رأس وفد كبير من الأكاديميين ورجال الأعمال السعوديين وبأوامر مباشرة من نظام بني سعود فقد زارها مرات عدة تحت غطاء «التعاون» مع «مراكز الدراسات والبحوث الإسرائيلية» باعتباره رئيساً للمعهد السعودي «للدراسات الاستراتيجية» علماً بأنه شغل مناصب مختلفة في الجيش السعودي وهو اليوم متقاعد، كما عمل في وزارة الخارجية السعودية وكان مستشاراً لسفير نظام بني سعود بندر بن سلطان في واشنطن وهو من المقربين للديوان الملكي ودوائر القرار في الرياض ويكثر الظهور على القنوات الفضائية غير السعودية مدافعاً عن سياسات نظام بني سعود بما فيها عدوانه الهمجي على اليمن ودعمه للعصابات الإرهابية في سورية والعراق.
ويبدو أن العلاقات لم تنقطع يوماً بين الكيان الصهيوني وكيان بني سعود منذ ظهور هذين الكيانين أواخر النصف الثاني من القرن العشرين، ويؤكد باحثون ومتابعون أن اتفاق كوينسي (اسم الطراد الذي التقى على متنه الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت الملك السعودي المؤسس عبد العزيز عام 1945) المعلن حول أن للحكم الملكي السعودي حماية عسكرية أمريكية مقابل الحصول على النفط ليس هو كل شيء، بل كان هناك اتفاق سري يتضمن موافقة بني سعود على إقامة «كيان إسرائيل» على أرض فلسطين وهي الموافقة ذاتها التي كانت بريطانيا قد حصلت عليها من النظام السعودي بعد وعد «بلفور» وقيام مملكة بني سعود وطرد الشريف حسين.
ومن الصعب تعداد اللقاءات المباشرة بين أتباع نظام بني سعود ومسؤوليه الكبار والمسؤولين الاسرائيليين فقد جرت ستة لقاءات سرية بين النظام السعودي والكيان الصهيوني وسبق أن أكد تقرير لموقع «بلومبيرج» 4 حزيران الماضي، في معرض تعليقه على لقاء عشقي ودوري جولد أن هذا اللقاء في مجلس العلاقات الخارجية سبقته خمسة جلسات سرية عقدت منذ بداية عام 2014 بين ممثلين عن «إسرائيل» وعن النظام السعودي وذلك لمناقشة العدو المشترك، إيران، ما يعني أن هذا اللقاء هو السادس وكشفت «بلومبرج» أن اللقاءات الثنائية الخمسة السابقة دارت على مدار 17 شهراً الماضية في الهند وإيطاليا وجمهورية التشيك، وقال أحد المشاركين الصهانية في اللقاء وهو جنرال إسرائيلي متقاعد يدعى «شمعون شابيرا»: «لقد اكتشفنا أن لدينا المشكلات نفسها والتحديات نفسها وبعض الإجابات نفسها».
 ولكن اللقاء الأكثر إثارة هو الذي عقده مسؤول حزب «هناك مستقبل» الإسرائيلي يائير لبيد في نيويورك يوم الأربعاء 30 أيلول 2015 مع تركي الفيصل مدير المخابرات السابق الذي كان علنياً بين الطرفين، حسبما أورده موقع الخليج الجديد، وسبق للفيصل أن أجرى لقاءات سابقة مع مسؤولين إسرائيليين، وفي السنوات الأخيرة، التقى «الفيصل» مسؤولين إسرائيليين بينهم الرئيس السابق لشعبة الاستخبارات العسكرية «أمان» اللواء احتياط «عاموس يدلين» الذي يترأس الآن «معهد أبحاث الأمن القومي» في جامعة تل أبيب.
وانتقل نظام بني سعود إلى مرحلة خطرة من التمادي في حربه ضد إيران وذلك بمحاولة اللعب بأوراق الإرهاب في الداخل الإيراني، حيث ظهرت إلى العلن علاقاته مع منظمة ما يسمى «مجاهدي خلق» المناهضة للثورة الإيرانية التي تقوم بعمليات إرهابية داخل إيران، فقد شارك تركي الفيصل في مؤتمر للمنظمة في باريس وقال في كلمته أمام المؤتمر: «من الأجدر بخامنئي وروحاني الانتباه لمشاكلهما في الداخل»، مبيناً أن المعارضة الإيرانية ستحقق مبتغاها في رحيل نظام ولاية الفقيه ورد الفيصل على هتاف الحضور في المؤتمر: «الشعب يريد إسقاط النظام»، بقوله: «وأنا أريد إسقاط النظام».
وبغض النظر عن أن هناك أهدافاً مشتركة مباشرة وآنية بين حكام الرياض وحكام تل أبيب ومنها «إنهاك» محور المقاومة و«إضعاف» حزب الله إلى الحدود الدنيا و«تبديد» قوة الجيش العربي السوري من خلال دعم التنظيمات الإرهابية في سورية والعراق ومساندة العدوان الوحشي السعودي ضد الشعب اليمني، فالهدف الأكبر من تسريع مسيرة التطبيع يتمثل في «تصفية» القضية الفلسطينية حيث جاءت خطوات التطبيع السعودي في وقت تسعى فيه واشنطن وأطراف عربية للاستفادة من التقارب السعودي– الإسرائيلي على خلفية محاربة «الخطر» الإيراني في تحريك المفاوضات عبر مؤتمر إقليمي للسلام بين الكيان الصهيوني والدول العربية يستند لمبادرة السلام العربية بما يسمح بتطبيع العلاقات بين دول في الجامعة العربية والكيان الصهيوني.
 من الواضح تماماً أن التركيز على المبادرة العربية في اللقاءات مع مسؤولي الكيان الصهيوني بعد مضي أكثر من عقد ونصف على طرحها وبصيغتها السعودية التي تغفل حق العودة، هو ما تسعى إليه الرياض «كغطاء سياسي» للتطبيع مع العدو الصهيوني، وأن جوهر الهرولة السعودية نحو الكيان الصهيوني في نهاية المطاف يهدف إلى قيام الحكم السعودي بوظيفته القديمة الجديدة في إكمال «تصفية» القضية الفلسطينية وشطبها من قائمة الصراعات في المنطقة ووفقاً للشروط الإسرائيلية برفض الانسحاب إلى حدود 67 أو إخلاء الكتل الاستيطانية وأيضاً ضمن الرؤية الأمريكية بالحل والتسوية والاستفادة من أجواء التشرذم والتدمير التي خلفتها سنوات الحروب الإرهابية التكفيرية على امتداد الساحة العربية، ويبدو أن العمل جار على قدم وساق في اللقاءات السرية والعلنية لإنجاز تسوية يقوم بها النظام السعودي بتجنيد دول عربية لهذا الغرض وبرعاية أمريكية وأوروبية.
لكن يتوهم نظام بني سعود أن الاستقواء بالعدو الإسرائيلي والتحالف معه ومساعدته في «تصفية» القضية الفلسطينية يمكن أن يحقق له جملة من الأهداف التي يحلم بها وفي مقدمتها خروجه «منتصراً» من حروبه العبثية التدميرية الإرهابية في العراق وسورية واليمن وتحقيق «الغلبة» على إيران ومشروعها النووي، وتالياً اعتماد «تزعمه» المنطقة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية على طول الخط، لكن حسابات الحقل لم تتطابق حتى الآن مع حسابات البيدر، فلا أفق أمامه لتحقيق أهدافه العدوانية في اليمن بعد ما يقارب العامين من حرب سعودية وحشية استخدمت فيها كل الأسلحة والإمكانات المادية الهائلة، ولا أفق للتقدم والنجاح في الحروب الإرهابية التكفيرية التي يرعاها منذ سنوات طويلة في سورية والعراق بل إن الانكسارات تتوالى والهزائم والفشل على الأبواب، ويبدو أن هذه الهرولة المكشوفة نحو العدو الإسرائيلي لن تسجل لنظام بني سعود إلا عاراً وشناراً تضاف إلى عار غرقه في مستنقع التآمر على القضايا العربية والإسلامية وتزيده فضائح جديدة تضاف إلى مسلسل فضائحه الكثيرة.
tu.saqr@gmail.com