تشرين
07/08/2016

تركيا.. الانقلاب الفاشل يفتح الباب لتطهيرات أردوغان

شهدت تركيا في ليل 15 تموز استيلاء الجنود على بعض النقاط الحاسمة في المدينتين الرئيستين:
 أنقرة واسطنبول. فقد استولى الانقلابيون على مركز قيادة الأركان العامة للقوات المسلحة التركية والقيادة العامة للدرك وقاعدة جوية ومطار أتاتورك في اسطنبول. وتم احتجاز كبار قادة القوات المسلحة، وحلّقت الطائرات المقاتلة على ارتفاع منخفض فوق المدن، وقصفت، بعد انضمام حوامات إليها، أهدافاً محددة، من ضمنها مبنى البرلمان التركي ومنطقة مجاورة لمركز قيادة الأركان العامة وقيادة القوات الخاصة.
وصل الانقلابيون، من دون تحضير وقوة كافية، ربما مضطرين إلى العمل بسبب الظروف وربما تخلّت عنهم أقسام من القوات المسلحة كانت قد تعهدت بدعمهم، إلى طريق مسدود خلال ساعات.
أولاً: لم يكن الانقلاب مدعوماً من قبل جماعة منظّمة مثل حزب سياسي أو نقابة. أصدرت الأحزاب السياسية الأربعة في البرلمان بياناً مشتركاً ضد محاولة الانقلاب.
ومن جهة أخرى، لم يتمكن الانقلابيون من جذب القوات المسلحة الرئيسة إلى جانبهم. ووجهوا بالشرطة والقوات الخاصة الخاضعة مباشرة لسيطرة الحكومة وتعدّ بمئات الآلاف. وأظهر النشطاء الإسلامويون مستواهم التنظيمي في مواجهة الانقلابيين إلى جانب الشرطة. استجابوا لدعوات «الخروج إلى الشوارع» الصادرة عن أردوغان الذي أخفق الانقلابيون في أسره.
في بلد شهد نحو عشرة انقلابات، كانت الوحيدة الناجحة بينها تلك المدعومة من الولايات المتحدة، لم يتمكن الانقلابيون من ضمان دعم الولايات المتحدة، على الرغم من موقف الأخيرة الأولي الملتبس. وهكذا فشل الانقلاب.
ولكن، لا يمكن التشكيك في أن خط السياسة الداخلية والخارجية الذي مارسته حكومة حزب «العدالة والتنمية» وأردوغان جرّ تركيا إلى ظروف الانقلاب هذا. كان الهدف من كل الإجراءات المتخذة تدمير المؤسسات الضعيفة أصلاً والحريات في البلد.
جرت تقوية السلطة التنفيذية من خلال «قانون الأمن الداخلي» الذي يعطي سلطات استثنائية للشرطة وحكّام الأقاليم والمقاطعات. في الحرب الدائرة في المدن الكردية، القوات المسلحة محمية من خلال منحها حصانة، ولا يمكن محاكمة الجنود من دون موافقة رئيس الوزراء. وأخيراً أُلغيت حصانة نواب البرلمان من أجل التخلص من النواب غير المرغوب فيهم.
وفي السياسة الخارجية استخدمت الحكومة سياسة الحرب في خدمة التوسع العثماني الجديد ومنيت هذه السياسة القائمة على دعم الإرهابيين في سورية بهزيمة مذلّة، وباتت الأهداف العدوانية التركية في سورية مستحيلة التحقيق بعد التدخل الروسي.
استهدفت العقوبات الأكثر جدية حركة غولن، حليفة حزب «العدالة والتنمية» منذ تأسيسه، ولكن هذا التحالف انتهى مع تحقيقات 17-25 تشرين الثاني الماضي بشأن الفساد، هذه الحركة ليست إسلاموية فحسب، بل هي صندوق مالي كبير كذلك، بمصرفها وشركات الاستثمار وأكبر شركة تعدين في البلد والاستثمار الواسع في الإعلام وقطاعات التعليم، ومن خلال تحالفها مع حزب «العدالة والتنمية»، تغلغلت هذه الجماعة في معظم جهاز الدولة، وبالدرجة الأولى في الشرطة والقضاء والقوات المسلحة. وبعد 25 تشرين الثاني من العام الماضي أُعلنت هذه الجماعة «منظمة إرهابية» وتم الاستيلاء على مصرفها وشركة التعدين التابعة لها، وأُغلقت المؤسسات الإعلامية والتربوية، وحُوكمت الشركات والأعضاء وسُجنوا. وبعد التطهيرات في القضاء والشرطة، ومع اقتراب موعد التعيينات والترفيعات في القوات المسلحة في نهاية آب، بدأت التحقيقات والاعتقالات والدعاوى القضائية التي تستهدف أعضاء هذه الجماعة. كانت هذه «القشة الأخيرة». حاولت القوى المنظمة في هذه الجماعة إلى جانب جماعات أخرى مستاءة في الجيش القيام بانقلاب، آخذة في الحسبان لوائح التطهيرات، بدلاً من إعفائها وسجنها، كانت مضطرة إلى القيام بهذه المحاولة.
ظهرت محاولة الانقلاب كمكاشفة بين الرجعيات الحاكمة والمعترضة. وقد أشار الكاتب والروائي نديم غورسيل إلى هذا الواقع حين قال: «خلال هذه الأيام، يعيش الديمقراطيون الأتراك كارثة من دون أن يكون في إمكانهم التأثير في مجرى الأحداث، إذ أوصل أردوغان البلد إلى حافة الهاوية بدفعه المجتمع إلى أقصى حدود الاستقطاب. وهو بذلك خلق ظروف الانقلاب الفاشل الذي للأسف كرّسه كبطل جديد لتركيا، بطل محوط بحرس (سلطاني)، إذ حوّل الشرطة التي تمتلك أسلحة متطورة وعالية التقنية إلى ميليشيا رئاسية.
هذا الانقلاب يأتي نتيجة تصفية حسابات بين اتجاهين ضمن الجيش، ولاسيما بين توجهين تيوقراطيين (أردوغان وغولن). لماذا يجب على الديمقراطيين الاختيار بين إمامين؟» (الأخبار في 22 تموز 2016).
من الواضح أن محاولة الانقلاب قوّت رجعية الرجل الواحد والحزب الواحد. وصف أردوغان هذه المحاولة بـ«هدية من الله» وأعلن أنها أعطته «فرصة لتطهير الجيش».
كشفت هذه المحاولة البنية الإيديولوجية الإسلاموية للشرطة، ووجود منظمة مقاتلة لعبت دوراً لافتاً في قمع الانقلاب بعد دعوة أردوغان إلى النزول إلى الشوارع. والآن تحت ذريعة «تطهير الانقلابيين»، بدأ «التطهير» الشديد بين القضاة والمدّعين العامين إلى جانب الشرطة والجيش. ومن الواضح أن هذا خدم وسيخدم أهداف تكوين آلية دولة تتبع فقط «الرجل الواحد»
عارض اليسار التركي الانقلاب. وحذّر حزب العمال التركي الجميع من أن هزيمة الانقلاب وحدها لا تعني بالضرورة «الديمقراطية» وأن الديمقراطية –والحقوق والحريات التي توفرها- يمكن الفوز بها عبر نضال شاق، ودعا الجميع إلى النضال لمنع ديكتاتورية الرجل الواحد والحزب الواحد.