تشرين - المستشار- رشيد موعد
07/08/2016

صفرونيوس الدمشقي والقدس العربية

ترجع أهمية القدس إلى مركزية هذه المدينة بالنسبة لفلسطين والعالم الخارجي،
وهذا كله يؤكد أهمية موقعها الديني والعسكري والتجاري والسياسي، فقد اختير موقع القدس لما يجمع من صفات الانغلاق والانفتاح ليكون نقطة نشوء الديانتين اليهودية والمسيحية ومركز إشعاع لهما، وجاء الإسلام بعد ذلك ليربط بين مكة والقدس روحياً ومادياً.
وفي المجال العسكري، اكتسب موقع مدينة القدس الجغرافي أهمية خاصة نظراً للحماية الطبيعية التي تزيد في الدفاع عنه، وعندما كانت الحملات العسكرية تنجح في احتلال القدس كان ذلك النجاح إيذاناً باحتلال سائر فلسطين والمناطق المجاورة لها، لأن القدس، بموقعها المركزي الذي يسيطر على كثير من الطرق التجارية، تتحكم في الاتصال بالمناطق المجاورة.
ولا يقل موضع المدينة أهمية عن موقعها، فهو موضع ديني دفاعي يجمع بين طهارة المكان وسهولة الدفاع عنه، وقد تعاقبت كثير من الأمم على هذا المكان منذ بداية التاريخ حتى اليوم، وشهد موضع المدينة حروباً كثيرة أدّت إلى تعاقب البناء والهدم بما لا يقل عن ثماني عشرة مرة خلال تاريخها.
كانت نشأة النواة الأولى لمدينة القدس على تلال الطور- تل أوفل المطلة على قرية سلوان إلى الجنوب الشرقي من المسجد الأقصى، وقد اختير هذا الموقع الدفاعي لتوفير أسباب الحماية والأمن لهذه المدينة الناشئة، ويحيط وادي جهنم (قدرون) بالمدينة القديمة من الناحية الشرقية، في حين يحيط وادي الربابة (هنوم) بها من الجهة الجنوبية، ووادي الزبل من الجهة الغربية، وقد كونت هذه الأودية الثلاثة خطوطاً دفاعية طبيعية جعلت اقتحام القدس القديمة أمراً صعباً، إلا من الجهتين الشمالية والشمالية الغربية، وقد لاحظ جميع المؤرخين أن جميع الجيوش التي فتحت القدس قديماً وحديثاً دخلتها من الشمال.
وقد بنى السلطان العثماني سليمان القانوني عام 1542 سوراً عظيماً يحيط بالقدس القديمة ويبلغ محيطه نحو أربعة كيلومترات وله سبعة أبواب وهي:
1- باب الخليل
2- الباب الجديد أو باب عبد الحميد
3- باب العمود أو باب النصر
4- باب الساهرة
5- باب ستنا مريم
6- باب المغاربة
7- باب النبي داود
وقد امتد العمران خارج السور في جميع الجهات، وأنشئت الأحياء الحديثة، فيما عرف بالقدس الجديدة، إضافة إلى الضواحي المرتبطة بالمدينة التي كانت في القديم قرى تابعة لها، حيث التحمت قرى مثل شعفاط وبيت حنينا وسلوان وعين كارم بالمدينة وأصبحت ضواحي لها.
والقدس عبر التاريخ هي المدينة التي يقدّسها أتباع الديانات الثلاث المسلمون والمسيحيون واليهود، فهي قبلة لهم ومصدر روحي ووحي أيضاً، وتتجلى أحداثها التاريخية في الأسماء الكثيرة التي أُطلقت عليها: يبوس- أورشليم- داود- إيلييا- القدس أو بيت المقدس.
1- أقدم اسم للقدس هو «أوروشاليم» ينسبها إلى الإله «شالم» أي إله السلام لدى الكنعانيين وقد وردت باسم «روشاليموم» في الكتابات المصرية المعروفة بـ«نصوص اللعنة» التي يرجع تاريخها إلى القرنين التاسع عشر والثامن عشر قبل الميلاد، وتذكر أسماء ملوك كنعانيين وعموريين من خصوم المصريين كانوا يحكمون «أورشاليم».
وبين مراسلات تل العمارنة ست رسائل بعث بها عبد خيبا ملك «أورشليم» في القرن الرابع عشر قبل الميلاد إلى فرعون مصر «أخناتون» الذي كانت فلسطين تحت سيطرته، وهو في هذه الرسائل يشكو من قلة عدد الحامية المصرية في المدينة ويحذّر من غارات جماعات البدو «الخابيرو» أو «العبيرو» واستفحال خطرهم على البلاد.
وفي التوراة وردت كلمة «أورشليم» التي تلفظ بالعبرية «بروشالايم» أكثر من 680 مرة، وهذه الكلمة مشتقة مباشرة من التسمية الكنعانية الأصلية، وتطلق التوراة كذلك على المدينة أسماء أخرى كثيرة هي «شاليم» و«مدينة الله» و«مدينة القدس» و«مدينة العدل»، و«مدينة السلام» وتذكر أحياناً باسم «يبوس» أو مدينة اليبوسيين.
إن كلمة يبوس أطلقت على مدينة القدس نسبة إلى اليبوسيين من بطون العرب الأوائل في الجزيرة العربية، وهم سكان القدس الأصليون نزحوا من جزيرة العرب مع من نزح من القبائل الكنعانية سنة 2500ق.م واحتلوا التلال المشرفة على المدينة القديمة، وقد ورد اسم «يبوس» في الكتابات المصرية الهيروغليفية باسم «يابثي» وهو تحريف للاسم الكنعاني، وقد بنى اليبوسيون قلعة حصينة على الرابية الجنوبية الشرقية من يبوس سميت حصن يبوس الذي يعد أقدم بناء في مدينة القدس أقيمت حوله الأسوار وبرج عال في أحد أطرافه للسيطرة على المنطقة المحيطة بيبوس للدفاع عنها وحمايتها من غارات العبرانيين.
ومن الطبيعي أن يختار اليبوسيون هذا الموضع لبناء حصنهم، لأنه يتمتع بميزات استراتيجية طبيعية، فقد حبت الطبيعة هذا الموقع بأهم ما يحتاج إليه السكان، وهو الماء، ففي جوار الحصن شرقاً نبع غزير في وادي قدرون عرف باسم جيجون «نبع العذراء».
القدس رمز للتآخي المسيحي- الإسلامي الذي جسّدته «العهدة العمرية» الموقّعة بين كل من الخليفة عمر بن الخطاب والبطريرك صفورنيوس بطريرك القدس، العربي الدمشقي الأصل، وهو الذي اشترط في العهدة باسم المسيحيين ألا يسكن القدس يهود.. وكان له ذلك.
تعدّ العهدة العمرية أساساً استراتيجياً للتسامح الديني بين المواطنين المسلمين والمسيحيين وتعايشهم في القدس التي هي امتداد تاريخي للثقافة والتراث العربي، ولكل الثقافات الأخرى العريقة التي تجلّت في هذه المدينة المقدّسة كي يتم اختيارها عاصمة للثقافة العربية لعام 2009.
يقول الدكتور محمد عمارة المفكر والمؤرخ العربي «مدينة القدس» بناها الكنعانيون.... وهم عرب «أجداد الشعب العربي الفلسطيني» في الألف الرابعة قبل الميلاد.... أي قبل ظهور الديانة اليهودية بنحو 3 قرون، فأين هي علاقة القدس بالديانة اليهودية التي لم تكن قد وُجدت بعد.
القدس اليوم، بعد أن احتلها الصهاينة نتيجة تواطؤ استعماري غربي وضعف وتمزّق عربي لا مثيل له في تاريخ هذه الأمة.
القدس اليوم يُفرض عليها واقع القوة الذي يُراد له أن يخلق حقاً لليهود فيها، وأن يُلغي تاريخاً وحضارة وحقاً خالداً للعرب والمسلمين فيها.
القدس.. هي التاريخ، والدين، والثقافة، يراهن العدو الصهيوني بأن الكبار يموتون والصغار ينسون، وقد ثبت العكس، فمن وُلد في خارج وطنه هو أقوى عزيمة، وشكيمة وارتباطاً، وانتماء لأرضه ووطنه، وإيمانه بالعودة أكثر من غيره.