تشرين
07/08/2016

جولة نتنياهو الإفريقية.. اختراق جديد لدوائر الأمن القومي العربي

شكلت زيارة نتنياهو الأخيرة لعدة دول إفريقية خطوة غير مسبوقة منذ أكثر من 20 عاماً على طريق مواصلته اختراق دوائر الأمن القومي العربي، وخاصة أنها تأتي في ظروف يعيش فيها الوطن العربي حالة من التردي والانقسام، وتآمر البعض على البعض الآخر.
من المعروف تاريخياً، أن الوطن العربي يُشكل دائرة «جيو استراتيجية» تتأثر بدائرتين أخريين، الأولى الدائرة الإفريقية، والثانية الدائرة الإسلامية، ومنذ منتصف خمسينيات القرن الماضي كانت سياسة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر تتطلع دائماً إلى هاتين الدائرتين في البحث عن حماية الأمن القومي العربي، لذا فإن عزلة «إسرائيل» الإقليمية كانت تتسع عندما يزداد النفوذ العربي في إفريقيا والدول الإسلامية، وهنا تجدر الإشارة إلى أن الرئيس الراحل معمر القذافي تمكن عام 2003 من إغلاق منظمة الوحدة الإفريقية في وجه الكيان الصهيوني، كذلك فعل الشيء نفسه الرئيس الجزائري الراحل «هواري بومدين» حيث كانت الجزائر تؤثر في اقتراع الأفارقة عموماً على القرارات الدولية بما لا يتناسب مع تطلعات «إسرائيل».
ولكن مع الأسف، ها هي الدائرة الإسلامية تخترقها «إسرائيل» عبر تعميق علاقاتها مع تركيا، وعبر التفاهم مع «أذربيجان» ودول أخرى، إضافة إلى جولة نتنياهو الإفريقية التي أتينا على ذكرها هذا كله، بينما الكثير من الدول العربية غافلة أو متغافلة عن كل ذلك، وبالتحديد معظم دول الخليج «السعودية وقطر والإمارات» قد ساعدت «إسرائيل» على اختراق الدائرة الجيواستراتيجية العربية عبر إقامة علاقات سرية أو علنية معها واعتبارها «ليست عدواً».
إذاً، اكتملت عملية اختراق «إسرائيل» لدوائر الأمن القومي العربي مع اختراق نتنياهو للدائرتين الإفريقية والإسلامية من جديد.
في سياق هذه الاختراقات، يمتنع نتنياهو عن الاستجابة لأي ضغوط في سياق التفاوض لحل القضية الفلسطينية، وعندما يرفض الضغوط، فإن هذا الرفض لا يؤثر على موقعه في حكومته وفي كيانه الاحتلالي أو حتى في محيطه.. هو في الأساس لا يريد التوصل إلى حل للقضية الفلسطينية، بل يريد مواصلة الاستيطان والسيطرة التامة على القدس بوصفها –حسب ادعائه- «العاصمة النهائية والأبدية» للكيان الصهيوني، كما يريد مواصلة حصار قطاع غزة و«إخضاع» المقاومة الفلسطينية.
كما أن نتنياهو تجرأ على رفض مطالب أوباما بالتزام «حل الدولتين» وهو يحظى بتغطية من الكونغرس الأمريكي!
لوران فابيوس وزير الخارجية الفرنسية السابق وهو صهيوني الهوى تقدم «بمبادرة» لاستئناف التفاوض بين «إسرائيل» والسلطة الفلسطينية من دون الإصرار على أي التزامات إسرائيلية أو شروط، ومن دون الدعوة لعقوبات أو مقاطعة إن تعثرت المفاوضات، فيصفها نتنياهو بـ «المبادرة الغريبة» ويهمشها رغم أنها ليست جيدة للفلسطينيين، فينصرف «فابيوس» الذي كان قد تعهد للفلسطينيين بأن تعترف فرنسا بالدولة الفلسطينية إن لم تستجب «إسرائيل» للمساعي الفرنسية من أجل استئناف التفاوض حول «حل الدولتين»، إلا أن خليفة «فابيوس» وزير الخارجية الفرنسي الحالي «جان مارك أيرولت» تنكر لوعود سلفه، وقال: «إن الاعتراف لن يتم بصورة أوتوماتيكية بالدولة الفلسطينية، وسيدرس في حينه» ما يعني أن اعترافاً لن يتم، وأن الجهود الفلسطينية التي بُذلت على هذا الصعيد ذهبت هباء منثوراً، بل تراجعت فرنسا إلى الوراء عندما أعلن رئيس وزرائها مانويل فالس «إن الاقتراع الفرنسي على عضوية الدولة الفلسطينية في يونسكو كان خطأ كبيراً» ثمة من يرى أن التصلب الإسرائيلي يزيد من عزلة «إسرائيل» في أوروبا والدول الغربية، وأن نتنياهو والعديد من وزرائه لا يستقبلون في القارة العجوز، قد يكون هذا صحيحاً نسبياً لكنه أمر لا يعلق حكومة الاحتلال الإسرائيلي، فها هو رئيس حكومتها يقوم بجولة إفريقية غير مسبوقة –كما أشرنا في بداية الحديث- منذ أكثر من /20/ عاماً، ويقدم نفسه كقوة شرق أوسطية، قادرة على أن تلعب دوراً تحتاج إليه بعض الأنظمة الإفريقية على الصعيد الدولي، وأيضاً في المجالات «الأمنية» والاقتصادية وتجارة السلاح.
وقد ذكرت الأنباء خلال هذه الجولة أن رئيس الوزراء الإسرائيلي وقع اتفاقاً مع كينيا لبناء جدار عازل بطول أكثر من 700 كم مع الصومال، وتلقى في المقابل وعداً من كينيا بأن تعود «إسرائيل» إلى منظمة الوحدة الإفريقية بصفة عضو مراقب!!
والواضح اليوم، أن /40/ دولة إفريقية تقيم علاقات مع «إسرائيل» بعد أن كان القسم الأكبر منها انصرف عن كيان الاحتلال الصهيوني في أواسط سبعينيات القرن الماضي، إثر صدور قرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة يعد الصهيونية «إيديولوجية عنصرية» وللعلم، فإن «إسرائيل» وبمساعدة أمريكية استطاعت لاحقاً إلغاء ذلك القرار!
إنه لمن الواضح للجميع أن نتنياهو يريد استعادة الأصوات الإفريقية التي تصوت ضد كيانه في الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية الأخرى.