تشرين
07/08/2016

65 عاملاً بين شهيد ومخطوف وإصابات تصـل حدّ العجز الكلي..

«تشرين» مع العاملين في الشركة «الخماسية» ترصد ظروف عملهم القاهرة

كان الوصول إلى الشركة التجارية الصناعية المتحدة (الخماسية) أشبه بضرب من الجنون،

 فالطريق إليها محفوف بمخاطر القنص وقذائف الإرهاب عبر ممرات خاصة أمّنها الجيش، ما يدفعك للوهلة الأولى إلى الخوف بعد أن تقرأ عند كل زاوية وخلف الدمار الهائل الذي خلفه الإرهاب لوحة معدنية كتب عليها (منطقة مقنوصة) فعليك أن تقطع مسافة 2كم وسط سواتر ترابية عالية أحدثت من الشاحنات المحروقة وبعض باصات شركة النقل الداخلي وهياكلها المعدنية والمتبقية منها بعد أن دمرتها قذائف الإرهاب وأحرقت رحبة الصيانة المجاورة للشركة الخماسية.
هذه الطريق يقطعها عمال الشركة يومياً مشياً على الأقدام ووسط الخوف من قذائف الإرهاب والقنص كي تبقى عجلات آلاتها وأصواتها تعلن استمرار الحياة والإنتاج فيها من تحت الركام الهائل حتى إن بعض هؤلاء العمال استشهد وبعضهم خطف وآخرين تعرضوا لإصابات بالغة أصابتهم بالعجز الكلي وأقعدتهم عن العمل وليستمر بالعمل حوالي 600عامل يعملون وينتجون ويزودون المشافي العامة والخاصة بكل احتياجاتها من القطن الطبي والشاش وأقمشة الألبسة، ينتجون ويعملون في ظروف عمل قاهرة داخل صالات أحدثت فيها قذائف الإرهاب ثقوباً وجراحاً من الصعب أن تندمل، وبإمكانات محدودة، ما يدفعك لأن ترفع لهم القبعة.
«تشرين» كانت بينهم في يوم استثنائي رصدت وعايشت من قلب الشركة واقع العمل فيها والذي يصل حد الإعجاز وعاينت ظروف العمل الاستثنائية بامتياز في ظل انعدام كل وسائل الصحة والسلامة المهنية ومكتسبات وحقوق جرفها الإرهاب...

قصة صمود

تعرضت الشركة الخماسية لهجمات متتالية من قبل الجماعات الإرهابية المسلحة لكون موقعها الجغرافي وسط جوبر وزملكا وعربين والقابون، ويروي رشيد أحمد مديرها العام كيف حوصر العمال داخل الشركة أكثر من (15) يوماً لحين دخول الجيش وإخلاء العمال المحاصرين، ما اضطرنا إلى إغلاق الشركة بشكل كامل في تاريخ 25/2/2013 وبقاء عمال الحراسة فيها لحمايتها بمؤازرة الدفاع المدني والطوارئ برفقة الجيش العربي السوري، حيث كانت تتعرض وبشكل يومي لأكثر من 15 قذيفة، وصلت في إحدى المرات إلى نحو 150 قذيفة دمرت الحجر والبشر وأحرقت بعض مبانيها، لكن إرادة التصميم للعمال كانت أكبر فقرروا العودة إلى آلاتهم وعودة عجلة الإنتاج إلى ما كانت عليه في تاريخ 11/3/2014 من خلال إعادة تشغيل معمل القطن الطبي لتغطية حاجة المشافي من مادة القطن والشاش الطبي بإنتاجية ضعيفة نتيجة وقوع الشركة في أكثر المناطق سخونة.

عند الأسوار

بسام سعود رئيس الحرس وعضو اللجنة النقابية في الشركة الخماسية يروي بابتسامته الوادعة وسُمرة وجهه التي لفحتها ألسنة اللهب وقذائف الحقد، كيف استطاع وبصحبته حراس الشركة البقاء في الشركة والدفاع عنها؟ وكيف حوصروا داخل أسوارها أكثر من 22 يوماً بعد هجوم المسلحين على كراجات البولمان وخروج الناس من المنطقة وصمودهم أمام المحاولات المستميتة من الجماعات المسلحة لدخول الشركة، إلا أنهم وبعتاد وسلاح فردي لم يمكنوهم من ذلك، وبمؤازرة من كتائب البعث ومجموعات الدفاع المدني، لا بل لم يستطيعوا الوصول إلى كل المنطقة المحيطة بالشركة، وقال: بقينا 25 يوماً ندافع عن المنطقة، استشهد منا الكثير نتيجة القنص وتعرض البعض لإصابات بليغة إضافة إلى الحرائق التي أصابت بعض أجزاء الشركة والصالات حيث تمت السيطرة على هذه الحرائق بمؤازرة من  الجيش والدفاع المدني، وما زالت القذائف تتساقط وبشكل يومي على الشركة وفي محيطها، ولكن بشكل قليل، وقبل أيام قام الجيش بصد محاولة هجوم الجماعات المسلحة على  المنطقة مع محاولات قنص من القابون وقذائف من جوبر، وإن ظروف العمل صعبة بسبب سخونة المنطقة، لكنها أفضل بكثير بعد وجود الجيش وسيطرته على مجمل المنطقة.

تأمين موجودات الشركة...!

مدير الإنتاج أحمد الأحمد تحدث عن عمليات نقل الموجودات وقطع التبديل والصيانة والمخزون من الشركة حفاظاً عليها، ولاسيما قطع غيار وتبديل الآلات وسط معاناة مريرة في الدخول والخروج من وإلى الشركة، حيث يمشي  العامل مسافة 2كم حتى مبنى الشركة تحت وابل القنص وقذائف الإرهاب عبر ممرات مخصصة تحت إشراف الجيش الذي عمل على تأمين عمليات النقل إلى مستودعات آمنة، إضافة إلى العودة للشركة لصيانة وإعادة تأهيل الأنوال، يقول الأحمد: استشهد خلالها 3 عمال وعشر إصابات بالغة انتهت بأصحابها من العمال إلى العجز الكلي عن العمل، وحفاظاً على سلامة العمال من مخاطر الطريق وعدم وجود وسائط نقل يداوم العمال 48 ساعة متواصلة ليرتاحوا مقابلها توفيراً لمشاق النقل وتكلفتها العالية على العامل، حيث يوجد 350 عامل إنتاج مع فنيين ومهندسي ميكانيك وكهرباء، وحالياً نطمح لتشغيل ما تبقى من الآلات لزيادة الإنتاج وبما يمكن الشركة من صرف بدل نقدي للعاملين عن النقل نتيجة عزوف أصحاب وسائط النقل التقدم لعروض الشركة بخصوص ذلك نتيجة سخونة المنطقة.

تأكيد الواقع

نديم منصور- رئيس قسم القطن الطبي يؤكد إصابة عاملين من قسمه قنصاً، أحدهما تم علاجه وعودته للعمل، والآخر لايزال يُعالج بإصابة بليغة في كتفه وقدمه منذ عامين، كما يؤكد صعوبة الوصول إلى الشركة لعدم وجود وسيلة نقل، ما يحمّل العامل تكلفة مضاعفة، لذلك يداوم العاملون 48 ساعة متواصلة ليرتاحوا مقابلها، كما أن العاملين في قسم المصبغة يتعرضون للمواد السامة كالرصاص المنحل، ما يعرضهم لمخاطر الأمراض المزمنة، ولاسيما في ظل عدم وجود وجبة غذائية من البيض والحليب هي ظروف عمل صعبة جداً، ما يدفع العمال إلى الاستقالة أو الندب والنقل ويعرّض الشركة إلى نقص في العمال المَهَرَة، حيث نعمل بنصف الكادر الفني، 9 عمال ميكانيك من أصل 16 وأربعة عاملي كهرباء من أصل 9 عمال.

مع العمال

فالعامل أيمن القصير يؤكد صعوبات وصوله إلى الشركة مشياً ولمسافات طويلة وسط طريق محفوفة بالقنص وقذائف الإرهاب، حيث نقص العمال في الصيانة يجعلنا نتوقف، إضافة إلى عدم وجود مكافآت وحوافز إنتاجية لكونها مرتبطة بزيادة الإنتاج، لكن الإنتاج متواضع جداً.
ويروي العامل مازن إسماعيل صعوبة العمل في ظل انعدام أدنى شروط السلامة ووجود مخاطر كبيرة محدقة بالشركة وعدم وجود أجهزة تكييف وترطيب لزوم إنتاج الأقمشة والخيوط.
فيروز ونوس- عضو لجنة الرقابة العمالية المالية في الشركة تشير وبوضوح إلى ظروف عمل قاسية تتمثل بطريق غير آمن يقطعه العمال مشياً لمسافات طويلة ما يجعلهم عرضة للقنص والخطر وحتى داخل صالات الشركة نظراً لسقوط قذائف من حين لآخر ومع ذلك يعمل العمال وينتجون تحت حماية الجيش، ومؤخراً قامت الشركة بمنح بدل نقدي ما يعادل 750 ليرة شهرياً وبدل نقل 2500 ليرة، نأمل أن تستمر بذلك على ضوء الإمكانات والإنتاج وزيادته وبما يعيد كامل حقوق العاملين، ومازالت الشركة تدفع رواتب عمالها حتى الآن من مخزونها الذي تم نقله في ظروف مستحيلة.
وهو ما يؤكده المدير المالي مصطفى هلال بأن رواتب العاملين بحدود 40 مليون ليرة شهرياً و500 مليون سنوياً تؤمنها الشركة ولم تستدن من وزارة المالية طوال فترة توقف الشركة لعام كامل ونحن ندفع رواتب العمال من المخزون.
المدير الفني في الشركة فيصل تقلس قال: تم تجهيز الآلات والصيانة بالإمكانات والقطع التبديلية الموجودة لدينا التي استطعنا نقلها من وجه الإرهاب حيث لا توجد سوى آلة واحدة (كرد) متوقفة بسبب قطع التبديل وعدم القدرة على تأمينها نتيجة الحصار الاقتصادي حيث تم التجهيز بإمكانات ذاتية ونتيجة الحاجة إلى آلة (زكزاك) قمنا بتصميمها وتصنيعها في الشركة (إحدى الصور توضح ذلك).

ملياران قيمتها

مدير الشركة رشيد أحمد قال: إن قيمة الموجودات التي تم نقلها وتأمينها بمساعدة الجيش تقدر بحوالي 2 مليار ليرة وهي تشمل كل البضائع والمخازين المختلفة من الغزول والقطن والأقمشة إلى مستودعات آمنة بلغت قيمتها 2 مليار ليرة، إضافة إلى قيمة قطع غيار وصيانة تقدر بحوالي مليار ليرة ساعدتنا كثيراً في إعادة تأهيل صالات الشركة والآلات وإعادة تشغيل الأنوال من خلال تأهيل 30 نولاً منهما 15 نولاً لإنتاج الشاش الطبي الخاص بالمشافي ومديريات الصحة و15 نولاً أخرى خاصة بإنتاج الأقمشة وإعادة تأهيل مكنتي (ذوي وآلتي تطبيق) في قسم الغزل والعمل جارٍ حالياً لإعادة تأهيل أنوال النسيج وبقية الأقسام البالغة عشر آلات حيث تحسن الإنتاج منذ مطلع العام الحالي نتيجة تحسن الوضع الأمني في المنطقة حيث أنتجت الشركة 50 طن قطن طبي حتى تاريخه و 20 ألف متر أقمشة و 200 ألف متر شاش خام والعمل جار لزيادة الإنتاج وإعادة بقية العمال المندبين إلى المعمل، علماً بأن الأضرار التي لحقت بالشركة تقدر بحوالي مليار ونصف المليار بين الأبنية والآلات وكابلات الكهرباء.

الأضرار

تشير الجداول عن الأضرار الإنشائية التي لحقت بالشركة نتيجة الأعمال الإرهابية التي تعرضت لها بتاريخ 29/6/2013 وسقوط القذائف إلى احتراق مستودع للأقمشة بشكل كامل بما يحوي من أقمشة خامية ومجهزة وامتداد الحريق إلى مكنات الغزل النهائي واحتراق آلة غزل نهائي عدد 2 قيمتها الإجمالية 30 مليون ليرة وآلة برم عدد 2 بقيمة 20 مليون ليرة واحتراق آلة سحب بقيمة 5 ملايين ليرة وأقمشة جاهزة وخام بحوالي 308 ملايين متر وغزول قطنية ممزوجة بقيمة 12 مليون ليرة واحتراق مواسير غزل فارغة بحدود 45 ألف ماسورة واحتراق 100 بكرة غزل قدرت بـ 15 ألف بكرة وحرق  قطن محلوج 4 أطنان ليبلغ إجمالي قيمة الأضرار للمستودع 500 مليون ليرة، مع الإشارة إلى صعوبة حصر الأضرار كاملة منذ توقف الشركة ريثما تتم إعادة الأمن للمنطقة للوقوف على قيمة الأضرار كاملة، كما تشير الجداول للأضرار الإنشائية حتى تاريخ 31/12/2014 إلى أن الإجمالي العام للأضرار الإنشائية التي لحقت بأبنية وأقسام الشركة تقدر بـ 2 مليار ليرة إضافة إلى خسائر بشرية لا يمكن تعويضها.

حفاظاً على مكتسبات العمال

يرى صالح منصور رئيس نقابة عمال النسيج في دمشق أن العمال يعملون في ظروف عمل صعبة وخاصة بموضوع وسائط النقل وضرورة تأمينها على الأقل من كراجات العباسيين وحتى مقر الشركة حيث يمشيها العامل مسافة 2 كم ولو بشكل مؤقت والحفاظ على العمال المهنيين ومهارات الشركة وعدم الموافقة على نقلهم أو ندبهم والعمل على عودة العمال المفرزين ولاسيما أن الشركة في مرحلة الإقلاع، وفي حال تعذر تأمين وسيلة نقل للعمال منحهم بدلاً نقدياً مع الحفاظ على حقوق ومكتسبات العمال من الوجبة الغذائية واللباس العمالي ومتابعة معالجة العاملين المصابين وخاصة منهم أصحاب العجز الكلي وإعادة تأهيل الكوادر والفنيين وتأمين محولات كهربائية للإقلاع بعدد من الآلات الجاهزة للإنتاج.


الصور:
  • 104.jpg
  • 105.jpg
  • 102.jpg
  • 103.jpg
  • 2015-03-19 09.58.53.jpg