تشرين
06/08/2016

آفاق.. الحوار وتجديد الوعي بفهم الدين

عرف المسلمون تجديد الوعي بفهم الدين مع بداية نشوء الفرق الكلامية والمذاهب الفقهية، لكنه لم يسلم من نزعات التكفير والتراشق بشعارات التصويب والتخطئة،

وفي ذلك يجب أن ينطلق‏ التجديد الديني هذه المرة من وقفة صحيحة على قنوات الإنتاج الثقافي لتفسير القرآن الكريم وشروحات السنة النبوية لنتلمس من تعددها وتنوعها أفقاً بين أبناء الدين الواحد والأمة الواحدة. وهنا يجدر الالتفات إلى ملاحظتين:
إحداهما: لكل عصر من عصور  الفكر الديني  أساليبه في استخدام  النص الإلهي تحت شعار حاكمية هذا النص على الواقع، بمعنى وجوب ترويض الواقع وتطويعه لمصلحة النص الذي يجري إغلاقه عادة على تفسير حرفي أحادي يتجاهل حيوية النص الأول ومرونته، ليقفل من وراء هذا التجاهل إمكانية تجديد الوعي بالنص الإلهي تجديداً يواكب تمرحله في الزمان والمكان، ما يعني أن شعار حاكمية النص هو في حقيقته المخفية ترويج باطني مضمر لحاكمية تفسيره الأحادي من دون السماح بمناقشته أو الإصغاء للتفسيرات المختلفة معه أو عليه، ولأن الفكر الديني عند بعض المتكلمين باسم الدين يقوم على  فكر اللغة  وليس على لغة الفكر فقد اتهم بالطوباوية والجمود، ولأن الفكر الديني عند بعض المتكلمين باسم الدين يعتمد على مرجعية التفسير التاريخي للنص فقد اتهم بتصدير  المشكلات التاريخية على واقع لا يتحمل شيئاً من مسؤولية تلك المشكلات إلا بمقدار إهماله في أن يجد لها حلاً ليتسنى له تجديد وعيه بالدين على قاعدة: “تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ” - البقرة (134).
ثانيهما: إذا كان من عوامل الجمود الفكري الديني  نزعة التقديس لشروحات التفسير الأحادي للدين أو نزعة التأريخ لتوثيق تلك الشروحات فإنّ المجال الحيوي لمقولة تجديد الفكر الديني يجب أن يواجه تحدي اختبارات هذا التجديد من إشكال المنهج ومن تجديد شخصية الفقيه المفتوحة على تجديد أصول الفقه الإسلامي ومبانيه، ليصدر منهما شعاع جديد هو الفكر الديني الذي يجيبنا عن أسئلة مشكلات واقعنا المعاصر.. بعيداً عن الفكر الذي كان ولا يزال يجيبنا عن أسئلة الماضي ومشكلاته.. وأياً تكن درجة التشابه بين مشكلاتنا ومشكلات السلف الصالح فإن المنهج الصحيح في حلها هو أن نضيء فهمنا نحن للنص الأول حتى ولو كان متعارضاً أو متناقضاً مع أفهام من سبقنا من الفقهاء رضوان الله عليهم أجمعين.. ‏ ولكي نواجه بفريضة التجديد زمن الاغتراب الإسلامي عن الزمن، وكي نؤسس مفهومنا الأخلاقي لمعنى الإنسان والحضارة والهوية فإن السؤال التحدي: كيف لنا أن نربط بين سؤال التجديد والهوية؟ ثم كيف لنا أن نربط بين سؤال الحداثة والتحديث، بين متكلم باسم الإسلام يذهب بكامل عقله وعيونه إلى الماضي وكأنه لا حاضر يستفزه ويتحداه ومتكلم باسم العلم لا يرى من حاضر الحاضر إلا هيمنة الحضارة المعدنية على عقله وقلبه وكأنه لا جذور له أو تاريخ أو إرادة؟. وليس في هذا النموذج من معنى تجديد الفكر الإسلامي ما يجافي دعوة القرآن الكريم بالانحياز إلى الأحسن والأكمل والأجمل من الأفكار والأقوال والأعمال. فمن ذا الذي يستطيع الوصول إلى أعماق مفهوم القرآن عن النظر والتدبر والتفكير من دون تجديد الوعي بالنصوص المدونة في كائنات الكون. وليس في وسع الباحث أن يقف على معنى أن يكون التجديد فريضة قرآنية إلا بربط موضوع التجديد ومناهجه بما يراد للفكر الإسلامي أن يكون أي بوصفه مصدراً للإنتاج المعرفي وأداة معرفية لبلوغ الهدف من فلسفة النبوات والكتب السماوية وصلتهما بفلسفة الوجود الإنساني على الأرض. ‏ على أن الذي هو جدير بالنظر لاحقاً في مجال التجديد هو التأكيد على إرادة التجديد من داخل شروط الفكر الإسلامي نفسه، أي من داخل الالتزام بالخصائص التي تميّز هويته العقائدية والثقافية، ولكي لا نرمي نقاد الفكر الديني بالكفر والزندقة والارتداد.. فلماذا لا تنهض المرجعيات الإسلامية العليا إلى ممارسة هذا النقد من داخل المؤسسات الإسلامية نفسها؟. ومن دون هذه الإرادة أي إرادة التجديد وإرادة نقد الذات فإني أخشى على فكرنا الإسلامي أن يرغم إرغاماً على التجديد بشروط الثقافة الغازية التي لا تعرف عن الفكر الإسلامي سوى تلك الصورة النمطية المشوهة التي علقت بذاكرته من غزوات الفرنجة الأولى، وحتى مشهديات الفوضى الراهنة.. فوضى الاجتهاد وفوضى الجهالات القتيلة والفتاوى القاتلة.