تشرين
06/08/2016

الأسـرة السورية بعد العام السادس على الحرب

التفكك الأسري ضربة قاصمة للواقع الاجتماعـي .. الهجرة والطلاق والفقر والفقد أهم أسبابه

بدا مظهره وقوراً، يغطي الشيب رأسه، وسنوات عمره التي قاربت الثمانين جعلته يتحرك ببطء، بدا طلبه غريباً عندما اقترب من القاضي الشرعي الأول في دمشق وطلب منه إجراء معاملة للتبرؤ من أولاده الخمسة!

قبل أن يجيب عن سؤال القاضي محمود المعراوي ويفصل في الأسباب سبقته دموع كانت تشي بألم يفوق طاقة ذاك المسن، قال للقاضي: ربيت أولادي وعلمتهم ورثتهم وأمنتهم، وفي الحرب تهدم بيتي وماتت زوجتي، «أمهم»، وعندما قصدتهم للعيش معهم وبينهم، قال لي كل منهم إنه لا يمكنني الاستمرار بالعيش معهم، وإنهم على استعداد لدفع تكاليف أي مسكن أريده أو دار للمسنين! على المقلب الآخر، أختان مراهقتان (15و17) عاماً قصدتا القاضي الشرعي لتشكوا أماً رمتهما في الحديقة بعد وفاة الوالد كي تؤجر المنزل الذي كانوا يسكنونه، عندما طلبها القاضي ليسمع منها أسبابها، أجابت بأنها مرغمة على هذا السلوك، إذ كيف لها أن تعيش وتؤمن مصروف الأسرة والإخوة الصغار الذين انتقلت للعيش معهم عند أهلها، عندما وجد القاضي المعراوي أن مسوغاتها جعلتها تحسم أمرها بغض النظر عن النتائج.. تواصل مع الأعمام، فجاءه جواب أكثر قسوة: إن الأخ توفي ولسنا معنيين بأولاده!
لم يشأ القاضي أن يترك الأختين للوحوش فاتصل مع المعنيين في إحدى دور الأيتام الذين وافقوا على أخذ تربية الفتاتين على عاتقهم.
ليست هذه كل القصص والروايات التي تصل إلى القاضي الشرعي الأول في دمشق يومياً، فهناك عشرات الشكاوى والدعاوى التي تنتفي من بين تفاصيلها كل صفة للإنسانية، كقصص الأجداد الذين يستولون على أموال أحفادهم الأيتام باعتبارهم أصحاب الوصاية على الأبناء بعد موت آبائهم، فقد جاءت إحدى السيدات إلى المحكمة تطلب رفع دعوى على الجد لعزله عن الولاية على أولادها، لأنه يرفض أن يصرف على أحفاده من المبلغ المودع لهم والبالغ 380 ألف ليرة فهو يستطيع التصرف بأموال أحفاده كوصي، ولدى سؤاله يقول: عندي ديون يجب أن أسددها.
لا يعطي القانون للأم حق الوصاية على أبنائها بعد وفاة الزوج، وهذا الأمر خلق الكثير من المشكلات، فهناك من طلب من أرملة الابن مغادرة البيت كي يتم تأجيره، ومنهم من يتسلم الرواتب الشهرية والتعويضات ولا يعطيها لأحفاده رغم أن بعضهم يعيش في دور الإيواء!! لكل هذا يقول المعراوي إنهم الآن لم يعودوا يوافقون على الصرف للأب من مخصصات الأحفاد إلا بوجود الأم أو بوكالة منها، وذلك بقصد حفظ مال الأيتام.
يضيف المعراوي: إنني أتمالك نفسي بالقوة أحياناً كثيرة من هول الحالات التي تصلني، وأتساءل كل يوم: ما الذي حلّ بالناس، هل كانوا كذلك أم إن الأزمة جعلتهم بكل هذه القسوة والأخلاق السيئة؟
ما الذي فعلته هذه الحرب بالأسرة السورية؟ وما أبرز الأسباب التي تهدد تماسكها وأوصلت الكثير منها إلى حالة التفكك الأسري؟

الهجرة

إذا كان الطلاق أحد أهم أسباب التفكك الأسري، كما يقول الاستشاري النفسي والاجتماعي د. محمد علي، فإن الهجرة لا تقل آثارها خطورة فهي سبب رئيس في تهديم وتفكيك الأسرة خلال هذه الحرب، خاصة عند رغبة أحد الطرفين بالهجرة بعكس الطرف الآخر، الأمر الذي يتسبب بمشكلات تكبر ولاسيما عند هجرة أهل أحد الطرفين فتصبح الخلافات أكبر، كما لمس القاضي المعراوي من عمله.
مشكلات الهجرة كثيرة، كأن يهاجر أحدهم بقصد لم الشمل، وبعد أن يسافر يبدأ حياة جديدة، ويصبح غير راغب بإحضار زوجته، ويتوقف عن إجراء معاملة لم الشمل ومن ثم يطلب إنهاء العلاقة، وفي بعض الأحيان تهاجر الزوجة بقصد إجراء لم شمل، لأن القوانين تسهل  الاجراءات للمرأة أكثر من الرجل، لكنها لا تلبث أن ترسل في طلب الطلاق بعدما تكتشف حياة جديدة، خاصة إذا كان أهلها قد سبقوها إلى البلد الذي هاجرت  إليه.
 قد يسافر الزوجان معاً وبعد السفر يطلبان الطلاق، لخلافات في طريقة التعامل الجديدة أو العادات التي بدأ أحد الزوجين بالتخلي عنها، الأمر الذي لا يتقبله الطرف الآخر، فيطلب الطلاق كما أضاف القاضي المعراوي. وهناك عشرات التقارير عن اللاجئين السوريين في ألمانيا، التي استقبلت العدد الأكبر من اللاجئين السوريين إلى أوروبا، تتحدث عن نسبة الطلاق المرتفعة بين السوريين، خاصة أن القوانين في ذاك البلد تحمي السوريات اللواتي يرغبن في الطلاق وأن السلطات المعنية هناك تستجيب للأسباب التي تتقدم بها النساء خاصة الصغيرات منهن، لاحتمال أن يكون تم تزويجهن تحت الإكراه، ويتم فصل طلبات لم الشمل أو طلبات اللجوء للراغبين بذلك.

«الحماة والكنة» في البيت ذاته

من العوامل التي تساهم في حصول شرخ في العلاقات الأسرية أيضاً النزوح، كما يؤكد المعراوي، إذ إن نزوح آلاف العائلات إلى المناطق الآمنة جعل البعض يقصد أقاربه وأهله بقصد السكن معهم، الأمر الذي تسبب بضغط نفسي نتيجة الاحتكاك مع الموجودين، خاصة عند وجود «الحماة والكنة أو السلايف في بيت واحد» مع أولادهم الصغار حيث تبدأ الخلافات وتكبر، فتطلب الزوجة مسكناً جديداً وغالباً ما يعجز الزوج عن تأمينه فتطلب الزوجة الطلاق لأنها لم تعد تستطيع التحمل.
يضيف المعراوي أن العلاقات الأسرية كانت قائمة على المحبة والإيثار عندما كانوا يعيشون بعيداً عن بعضهم، ولكن بعدما اضطرتهم ظروف الحرب للعيش المشترك اختلفت المشاعر فأصبح الأب يرفض إيواء أبنائه، والعكس صحيح أحياناً، وظهرت مشكلات وخلافات بين الأبناء والآباء والأمهات، وصلت حدَّ القطيعة، إحدى الأمهات من دير الزور طلبت رفع دعوى على أولادها لأنهم لا يعطونها نفقة، وعند محاولة القاضي الوصول إلى حل من دون محاكم أغلق الأبناء جوالاتهم في وجهه بعدما عرفوا القصة.

الفقد

من مظاهر وأسباب تفكك الأسرة فقدان الزوج، كما يقول المعراوي، فإذا لم تستطع الزوجة الصبر على غياب زوجها فعليها التقدم بدعوى تفريق كي تعيش حياتها الجديدة، وكي لا تحصل حالات انحراف، فمثلاً طلبت سيدة أربعينية إنجاز معاملة طلاقها بالسرعة القصوى من زوجها المفقود منذ ثلاث سنوات، وعندما طلب منها إجراء المعاملة قالت إن هناك شخصاً يريد الزواج منها، وتريد إنجاز المعاملة بالسرعة القصوى من دون أن يشهد أولادها تصرفات لا تتناسب ووضعها كأم!

شبكات التواصل أيضاً

يعتقد المعراوي أن لشبكات التواصل الاجتماعي نصيباً في المساهمة في تفكك الأسرة بعدما أصبحت أداة التسلية شبه الوحيدة نتيجة عدم القدرة على التنزه والتنفس خارج المنزل بسبب ارتفاع الأسعار من جهة والخوف من الوصول إلى الكثير من المناطق التي اعتادوا ارتيادها من جهة أخرى، فأصبح القاضي يتابع أنواعاً من القضايا لم تكن موجودة: أحد الأزواج جاء ليطلق زوجته بعدما أحضر معه المحادثات المدونة في جوالها، وعندما سألها القاضي عن سبب سلوكها هذا الذي لا يليق بمتزوجة، أجابته بطريقة استفزازية كما وصفها: «وين المشكلة كل الناس بتعمل هيك».
يقول القاضي المعراوي: في السابق كانت أسباب الطلاق مختلفة عن الأسباب الحالية، كالخلاف على السكن، أو تدخل الأهل، التقصير في الواجبات المنزلية، الضرب...الخ، وكانت أسباباً تقبل الصلح، ويتم ذلك، لكن خلال الأزمة ازدادت الأسباب السابقة وظهرت أسباب جديدة، لتضاعف من حالات الطلاق، فتبعاً لإحصاءات المحكمة الشرعية في دمشق بلغ عدد الدعاوى التي تابعتها المحكمة الشرعية «زواج- طلاق- نفقة» نحو 17,694 ألف دعوى في العام الماضي، منها نحو 7 آلاف حالة طلاق من أصل 33 ألف حالة زواج تم تسجيلها في العام ذاته، في حين كانت عام 2012 نحو4100 حالة طلاق من أصل 20 ألف حالة زواج.
لا يوجد نتائج لمسح رقمي لواقع الأسرة السورية في الحرب حتى الآن، كما يقول مدير السكان في هيئة شؤون الأسرة وضاح الركاد، والأمر يكاد يقتصر على الانطباعات، ويؤكد أن دراسة آثار أي أزمة تحتاج بين 6 أشهر إلى عام بعد الاستقرار للحصول على قراءة صحيحة لها، أما الآن فالوقائع تظل متدحرجة، لكن هناك الكثير من الظواهر الجديدة التي أصابت الأسرة السورية خلال هذه الأزمة، كارتفاع ظاهرة الطلاق التي لم تكن تتجاوز 6 بالألف، وأعلاها كان في حلب 11 بالألف خلال عام 2011، الآن أصبحت النسبة أعلى بكثير وهناك مشكلات ناتجة عن عدم تسجيل واقعة الزواج، وعندما ينجبون أطفالاً لا يتمكنون من تسجيلهم من دون وثيقة محكمة، وتالياً تصبح الأسرة بلا نسب ومشتتة.

اتّسعت الهوة

من آثار الحرب على الأسرة السورية أيضاً، كما يضيف الركاد، تغير امتداد الأسرة من أسرة ممتدة إلى نووية، أي تقتصر على جيلين فقط، ففي السابق كانت تمتد إلى الجدود بينما أصبحت الآن تقتصر على الآباء والأبناء، الأمر الذي أثّر في وظائف الأسرة ورعاية الأبناء عند غياب آبائهم. وربما من المخاطر التي أصابت الأسرة السورية: الفاقد في الفئة العمرية من الذكور خاصة بين  عمر 15 و34 عاماً، ففي السابق كان مقابل كل 100 ذكر 105 إناث، بينما الإحصاءات الحالية تشير إلى أن كل مئة أنثى يقابلها نحو 75-80 ذكراً، وهذه الفجوة لها آثارها التي ستتجلى في ارتفاع نسبة العنوسة، وتعدد الزوجات، وزيادة أعباء إضافية على المرأة التي أصبح عليها القيام بدور رب الأسرة بعد غياب الرجل.

بالجملة

من المشكلات التي واجهت الأسرة أيضاً كما يضيف الركاد الظروف الاقتصادية التي استهلكت جميع استراتيجيات التأقلم، واستهلكت كل المدخرات وتسببت ببيع الأملاك الأمر الذي فرض ظواهر جديدة كانتشار عمالة الأطفال، والتسرب المدرسي والزواج المبكر أحياناً، حيث يتم تزويج الفتيات الصغيرات بقصد الحصول على مهر، وهناك زواج مبكر في المناطق الساحلية للتأمين على أبنائهم قبل الالتحاق بالخدمة العسكرية خشية وفاة الابن قبل أن يترك خلفه أحداً من أبنائه، ولتعويض الأبناء الذين يرحلون، وهذا بالتوازي مع ظاهرة العزوف عن الزواج وارتفاع نسبة العزوبية عند الذكور والإناث، كما عادت ظواهر تعدد الزوجات وأحياناً الأزواج، كل هذه الظروف كانت نتيجة وسبباً لعوامل أخرى.
وعن دور هيئة شؤون الأسرة أكد الركاد أن برامجها يجري العمل فيها على استهداف الأسر الفقيرة التي تعيلها نساء، وذلك لدعم بقائها، خاصة الأسر التي فيها معوق أو جريح أو شهيد، كتقديم منح إنتاجية بقيمة تتراوح بين 200 إلى 300 ألف ليرة، وذلك بالتعاون مع وزارة الزراعة، ففي السابق كانت آلية العمل تعتمد على الإغاثة، إذ لم يكن من المتوقع أن تمتد الأزمة كل تلك السنوات، لكن بعد ذلك تحول العمل إلى برامج تدخلية لتوليد فرص عمل تؤمن الدخل... وأضاف الركاد أن أهم أولويات الدولة مشروع إعادة النازحين إلى مناطقهم الأساسية لتصحيح الخلل الحاصل في التوزع الديموغرافي، ومن المشاهدات العيانية أكد  أن أكثر من 60% من النازحين يفضلون العودة إلى مناطقهم الأساسية التي تهجروا منها بعد توافر الأمن والأمان.

ضربة قاصمة

يقول: الاختصاصي الاجتماعي د. محمد علي: إن الأسرة نواة المجتمع، وتماسكها قوة وتماسك له، في المقابل تفكك الأسرة ضربة قاصمة للنظام الاجتماعي كما يضيف ويحدد الأسباب الرئيسة لتفكك الأسرة بعوامل كلها تكثر خلال هذه السنوات: كالهجرة والطلاق ووفاة أحد الوالدين والسجن والعنف الأسري والإدمان والفقر وتعدد الزوجات والبطالة وعدم انسجام الزوجين والأزمات والحروب وعدم الشعور بالأمن، ويرى أن المؤسسات الاجتماعية والثقافية يمكن أن يكون لها دور فاعل في ظروف كهذه، من خلال التوعية والتثقيف للتقليل من حالات التفكك الأسري.
الصور:
  • 933915_752093094820790_506135612_n.jpg
  • 3_27_0.jpg