تشرين
06/08/2016

فوجئ بالمستوى الرفيع لعروض مهرجان السويداء المسرحي الأول

فرحان بلبل: المسرحيّ العربي لا يزال يحمل في رأسه عشرين رقيباً يقلِّم أظافر إبداعه

يعدّ المسرحي فرحان بلبل أحد أهم الباحثين والنقاد المسرحيين السوريين والعرب، وفق توصيف المسرحي محمد بري العواني في كتابه «المغامرة المستمرة: فرحان بلبل مخرجاً»، وقد أنجز بلبل تراثاً مسرحياً وأدبياً ونقدياً مهماً،

 إلى جانب كمٍّ من الكتب التي نظّر فيها للمسرح العربي والعالمي. ولا يزال المسرحي بلبل يشارك في لجان تحكيم عدة مهرجانات مسرحية عربية وفي المحافظات السورية، كان آخرها (مهرجان السويداء الأول) وقبله في مهرجانين في الإمارات والجزائر، هذه وقفة معه عن مهرجان السويداء:  
•ما انطباعك العام عن دورته الأولى، وما ملاحظاتك؟
••انعقدت الدورة الأولى لهذا المهرجان ما بين 23 و28 الشهر المنصرم، وأعترف أنني سافرت إلى السويداء بدافع الصداقة والمحبة لمسرحيي السويداء، ولما أعرفه عن كرم أهلها وحسن ضيافتهم. ووطنت نفسي لمشاهدة مهرجان عادي أو متوسط الجودة على أبعد حد، لكنني فوجئت بالمستوى الرفيع للعروض المشاركة على صعيد التمثيل والإخراج والسينوغرافيا والإضاءة والموسيقا، وأجد نفسي هنا موجّهاً لوماً شديداً إلى الممثلين المشاركين في المهرجان. وهذا اللوم هو سوء الإلقاء. سواءٌ في نطق الألفاظ حيث لم نكن نستبينها إلا بصعوبة، وفي قواعد نطق الكلام على المسرح. ولهذا كنا في لجنة التحكيم (الأستاذ جوان جان والدكتورة ميسون علي) نقضي وقتاً طويلاً في التقاط فكرة العرض.
•إذاً وجدت أن ثمة ضعفاً في (الكلمة) التي تعدهّا أنت أحد ركنين أساسيين للعرض المسرحي، كيف لهم أن يتغلبوا على هذه المسألة؟
••لقد اقترحت، للتغلب على ضعف (الكلمة) عند هؤلاء الممثلين القادرين المقتدرين، على الأستاذ عماد جلول مدير المسارح والموسيقا إقامة دورة في الإلقاء المسرحي لممثلي السويداء مدتها شهر. وقد أعجب الأستاذ عماد بالفكرة لأنه عرف مدى صحتها من خلال حضوره حفل الافتتاح وحفل الختام. لكنه قال لي: إن هذا يحتاج  قرار وزير الثقافة. فهل سيرفع الأستاذ عماد -وهو نشيط وممن يوفون بوعدهم- هذا المقترح إلى السيد وزير الثقافة؟، وهل سيلبي السيد الوزير هذا المقترح؟ أترك الإجابة لهما. لكني سأكون حزيناً إذا لم يساهم السيد الوزير في استكمال عناصر قوة الممثلين في السويداء وهم على درجة عالية من الإبداع وإتقان فن التمثيل.
•من خلال هذه المشاركة هل تسلط لنا الضوء على الموضوعات التي عالجتْها تلك العروض؟ هل لامست ما يفترض أن تلامسه؟
••حاولت العروض أن تلامس الأوضاع المعاصرة من بعيد. فمن معالجةٍ لموضوع المرأة واستعبادها، ومن معالجةٍ للفساد الاجتماعي بشكل غائم وعام، إلى محاولة وصف روتين الحياة القاتل الذي يجعل تصرفاتنا تتكرر يوماً بعد يوم حتى نفقد المتعة بالحياة. ولكي ننصف مهرجان السويداء ولا نتهمه بالبعد عن الغوص في الحياة وفي جروحها المؤلمة، أذكر أن المسرح العربي عموماً يبتعد عن الحياة وعن معالجة أوجاعها. فكأن المسرح العربي يضع بين عروضه وبين حياتنا لوحاً زجاجياً سميكاً. يبهرنا ما نراه من ورائه ببهرجات صوره وجودة مساعداته الفنية وبراعة ممثليه، لكننا نظل ضمن دائرة الإعجاب، وليس ضمن دائرة التأثر والتفاعل. فاللوح الزجاجي يصعب كسره. والسبب في رأيي يعود إلى أمرين: أولهما أن الكتّاب الشباب لا يملك أكثرهم مهارة البناء الدرامي المتين. فتزوغ الشخصيات من بين أيديهم من ناحية، ولا تعرف شخصياتهم ماذا تقول، وبماذا تؤمن، وماذا تحارب من ناحية ثانية. فتبدو العروض المسرحية المستندة إليها ضعيفة الصراع، وضعيفة الانتماء إلى الحياة. حتى النصوص المقتبسة عن نصوص أجنبية قوية وحارة في الصراع والمعالجة، تفقد حرارتها وقوة معالجتها حين اقتباسها لضعف قدرات المقتبسين في معرفة الدراماتورجيا. فكأن المقتبس والكاتب يعانيان معاً  العجز عن مجابهة ما يجب أن يجابهوه. وثانيهما أن المسرحي العربي لا يزال يحمل في رأسه عشرين رقيباً يقلِّم أظافر إبداعه كما يقلِّم جرأته.  وإذا تذكرنا أن المسرح السوري كان أجرأ المسارح العربية في طرح الأوضاع الاجتماعية في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، فإن المتابع للمسرح السوري اليوم يتساءل: هل فقد الجيل التالي لجيل تلك المرحلة قدرته على المجابهة؟.
•قرأنا شكوى بعض المشاركين في هذا المهرجان، وهي الشكوى ذاتها التي يكررها المشاركون في مهرجانات الهواة، ضيق الوقت، وعدم حصول فريق العمل المسرحي على مكافآت تناسب جهدهم. في رأيك كيف يمكن دعم مسرح الهواة، ومن هي الجهة التي يفترض أن تقوم بهذا الواجب؟ وأنا أسألك هذا السؤال متناسياً كم ندوة عقدت في حمص لأجل ترجمة هذه السؤال لواقع عملي؟
••أضف إلى الشكوى عدم وجود أمكنة كافية للتدريب وهذه الشكاوى كانت تُذكَر أمامي طوال أيام المهرجان وكنت أسد أذني عنها ولا أشاطرهم التعاطف مع شكاواهم تلك فقد وجدت أن أكثرها تعود إليهم كضيق الوقت وهو أخطر شكوى. لكن بقية الشكاوى كانت صحيحة ومؤلمة وقبل الإجابة عن بقية ملاحظاتك أود أن تنفي عن مسرحيي السويداء صفة (الهواة) إلا إذا كنت تقصد بها -وأظنك قصدت- أنهم لا يحترفون المسرح وسيلة للعيش. أما ما عدا ذلك فهم يمتلكون خبرة عالية في جميع أشغال المسرح حيث تمكن تسميتهم المحترفين، على اعتبار أن هذه الكلمة تعني المتمكنين من صناعة العرض المسرحي أما مَنْ يستطيع تذليل هذه العقبات فأنا لا أعرفه لكني أعرف أن وزارة الثقافة ومديرية المسارح هما القادرتان على إزالة الكثير من هذه الشكاوى وإزالتها لا تحتاج إلى عصا سحرية. بل تحتاج دراسة متأنية أجزم أن مديرية المسارح والموسيقا قادرة عليها وجديرة بها.
•استوقفني اختيار وزارة الثقافة لمدينة السويداء «عاصمة للمسرح السوري لعام 2016» مع أن هذا هو مهرجانها الأول، وبصراحة، فإن هذا الاختيار يستفزني كمشاهد للعروض المسرحية في حمص التي ابتكرت المهرجانات المسرحية منذ عام 1987 ، وحمص كما أشرتَ في كتابك «مئة عام من المسرح السوري» أول مدينة تعرف العرض المسرحي بعد ريادة مارون النقاش ما تعليقك وأنت المسرحي بكامل أطياف هذا اللقب؟
••لقد استغربت هذا اللقب في البداية. لكنني بعد مشاهدة المهرجان وجدته لائقاً بهذه المدينة. لكن هذا اللقب نقطة قوتها ونقطة ضعفها. فإذا وقفتْ في هذا المهرجان على قمة رأس الهرم في المسرح السوري، فإن الانحدار عن رأس الهرم سهل جداً ولا يحتاج إلا إلى شيء من الغرور وشيء من الإهمال فهل تستطيع السويداء أن تحافظ على لقبها؟ وهل تنتزعه منها مدينة أخرى كمدينة حمص التي هي أم المهرجانات؟
•ما زلت أذكر أنك قلت ذات مرة: «إن الإنسان لا يستطيع البقاء بعيداً عن أخيه الإنسان، ولذلك يبحث عن الفن الذي يحقق له تواصلاً إنسانياً واجتماعياً في آن معاً. والمسرح هو الذي يحقق له هذه الغاية، وعلى المسرحيين أن يبحثوا عن وسيلة إيقاظ الشعور الجمعي لدى الجمهور».. في ضوء كلامك نستطيع أن نفهم لماذا لا تدعم بعض الحكومات العربية -وإن دعمت فليس بالقدر الكافي- المسرح، لأنها تخاف من هذا الشعور الجمعي، وغياب هذا الدعم يفسر لنا غياب المسرح في بعض البلدان، أو ضعفه؟
••مازلت عند رأيي لأنه مستنبط من أخص خصائص المسرح. ومازلت أرى أن بعض الحكومات العربية ترتعد من المسرح لأنه يخلق حالة جمعية إنسانية تكوِّن لدى الجمهور موقفاً موحداً عند الإنسان ودعني هنا أتساءل همساً معك حتى لا يسمعنا أحد: هل الحكومة السورية اليوم من الحكومات التي تخاف أم من التي لا تخاف كما كانت؟
•كانت لك مشاركات أخرى هذا العام. هل تعطينا فكرة عن هذه المشاركات؟
••في شهر كانون الثاني من هذا العام شاركت في مهرجان «الفجيرة الدولي للمونودراما». وألقيت فيه بحثاً عن قواعد هذا الفن. وفي شهر نيسان من هذا العام شاركت في «الملتقى الفكري الدولي الأول» في جامعة ولاية (سعيدة) الجزائرية وكان موضوع الملتقى عن الـ»ون مان شو»(عرض الشخص الواحد): هل هو ظاهرة مسرحية حقيقية أم ظاهرة عابرة؟، وقد شارك في هذا الملتقى أكثر من ثلاثين أستاذاً جامعياً من جامعات الجزائر وشارك فيه من خارج الجزائر: الدكتور محمد المديوني من تونس والدكتور شاكير من المغرب والدكتور سيد علي إسماعيل من مصر. وكان لي شرف تمثيل سورية في هذا الملتقى. ولا أخفيك أنني تشاجرت مع الجزائريين حول موضوع الملتقى مشاجرة حارة كان فيها الخير والبركة لي ولأعضاء الملتقى وقد وجهت إلي دعوة للمشاركة في مهرجان القاهرة الدولي للمسرح المعاصر والتجريبي وسوف ينعقد هذا المهرجان من 20 أيلول من هذا العام إلى 1 تشرين الأول وأرجو أن أكون عند حسن ظن المسرح السوري في هذا المهرجان.