تشرين
04/08/2016

آفاق.. يقين النار

يقيم بعض الغيورين على اللغة العربية نشاطات ساخنة تتناول موضوع (تمكين اللغة العربية)، وهذا طبيعي وإيجابي، فالكل، أقصد الغيورين، وأنا منهم، حريصون على الأمر، لكن الأمر ليس سهلاً كما يُظن، وأيضاً، ليس مستحيلاً كما أرى، فاللغة، أيّ لغة، تورّثُ مهما كانت صعبة،

 لكن المشكلة أن المرء منذ طفولته يتلقى لغة أمه وأبيه وبيئته، وفي شأننا العربي، ليس العامية وحسب، بل آلاف اللهجات العامية في البلدان العربية، وتالياً، تغدو حملات (تمكين اللغة العربية) دعوة لتمكين فئات النخبة من معلمين ومدرسين وكتّاب ومحاضرين وخطباء، ومذيعي قنوات إذاعية مسموعة ومرئية، للتحدث بلغة سليمة، وهذا صعْب المنال، والطامة الكبرى، أن ملوكاً وأمراء ورؤساء وزارات، يفترض أنّ في النص المكتوب لهم تشكيلاً إعرابياً، لكنهم لا يرونه لأن الطبع يغلب التطبع.
وليس صعباً أن يتقن المرء المجدّ قواعد اللغة بأساليب التعلم، وقد عاينت بعض تجارب لأطفال دون سن المدرسة، بل الروضة، يتحدثون بلغة فصيحة، ليس اقتباساً من الأهل والبيئة، بل من أفلام الرسوم المتحركة في التلفزيون، كما تابعت تجربة معلم من ريف دمشق، اشتغل على مجموعة أطفال تحت سن المدرسة، وقدم عرضاً مذهلاً لأطفال لا يخطئون في إعراب الكلام. يدغدغ طفل في الصف الأول أخته، فتسأله بلغة فصيحة: «لماذا تدغدغني يا أخي؟»، وطفلة ثانية، لم تغادر البيت إلى مواطن الفساد اللغوي، تقرأ لها أمها قصة من كتاب مصوّر، فتمسك الطفلةُ الكتاب، وتعيد قراءة القصة لأخيها الرضيع، بلغة سليمة، وأخشى أن هؤلاء الأطفال، سيدخلون المدارس، فيفسد المعلمون فطرتهم اللغوية.
وقد تابعت، قبل أيام، دراسة لباحث من جامعة عربية، يرى أن ثمة علاقة طردية بين التقدم، ويسر اللغة وسهولتها، فكلما وصلت حضارة من الحضارات إلى مرحلة من التعقيد والتطور والرقي، شعرت بالاحتياج الفطري إلى لغة سهلة تعبر عنها، وهذا لا يعني تبسيط اللغة، بقدر ما يعني فصل الخاص عن العام، ولنترك للمختص فرصة تبحره المتاحة له في المعاجم، ولنترك للمواطن المثقف فرصة ابتداع كلمات وألحان وتوزيع لأغانٍ ليست بعيدة عن بورصة الفشل، وكل الكلام كلام، فيما يقين النار هو خاتمة القصيدة.