تشرين
04/08/2016

القارة العجوز ومكامن القوة والضعف بعيداً عن واشنطن.. هل تعـزز قـرارها السـياسي المستقل بعيداً عن واشنطن؟

Global Research

عاشت أوروبا عقوداً طويلة من الرفاه والتطور التكنولوجي والصناعي، ما انعكس على مجريات العلاقات مع مختلف الأقطاب والدول في العالم.
واكتسبت منطقة اليورو حضوراً مؤثراً في الساحة الدولية سياسياً واقتصادياً، ومع تحول السياسات العامة الدولية وارتباط بعض الدول الأوروبية باتفاقات ضمن أحلاف وتكتلات دولية (كالحلف الأطلسي) الذي فرض منهج سياسة معيناً مرتبطاً وتابعاً للسياسة الأميركية، فغلبت على أجوائها العامة ديمقراطية مشوهة، وأزمة ديون متفاقمة، وضائقة اقتصادية في مواجهة أكبر أزماتها وهي أزمة طالبي اللجوء التي تعرضت لها أوروبا عموماً ضمن سياسة وخطة صهيونية أميركية لزيادة حضور وانتشار الحلف الأطلسي، وخاصة على الحدود المتاخمة لروسيا، وإبقاء أوروبا بكل مقوماتها ومكوناتها أسيرة السياسة الأميركية.
وسيطرت على أوروبا سياسة الاتحاد ومؤسساته التي عبّرت صراحة عن شلل فظيع في التعامل مع الأزمات الداخلية قبل الخارجية، نتيجة تخبط المسؤولين والحكومات وغياب البرامج والسياسات الواضحة المعتمدة على أسس قانونية وشرعية، فبعد أن نعمت أوروبا باقتصاد كبير ومتين عدّ محركاً أساسياً للثروة العالمية، أصبحت تعاني ضعفاً وفوضى.
ومما لا شك فيه أن أوروبا تشكل جبهة أساسية في الحرب على الإرهاب ونقطة التقاء مشروعات سياسية واقتصادية على مستوى عالمي.
وعبّر التكامل والتعايش الأوروبي عن نجاح مذهل داخلياً، لكنه لم يستطع توظيف هذا النجاح في سياسته الخارجية وتعاملاته مع دول العالم، وخاصة مع القضايا الحساسة والساخنة، حيث أنتج التكامل اتحاداً أوروبياً واسع النطاق على حساب السيادة الوطنية الضيقة، بعد دفن العداوات القديمة، وبدأت كل من فرنسا وألمانيا بالعمل تحت خطة «شومان» عام 1950 لإنتاج الحديد والفحم تحت مبدأ ثنائية القومية المشتركة، وسرعان ما لحقت بهما هولندا، وبلجيكا وإيطاليا، ولوكسمبورغ لتشكيل مجموعة من دول الرفاه المتجانسة نسبياً، بالاعتماد على موارد وخطط اقتصادية صناعية تتقاسمها شخصية مشتركة وهوية وقيم وموارد. وتمدد هذا الاتحاد المعقود بإحكام جنوباً وشرقاً، ليضم دولاً مثل إسبانيا واليونان إلى جانب بريطانيا المحافظة التي لم تتحد نقداً.
ويرى الكثير من المحللين والباحثين أن الفضل يعود بانعقاد الاتحاد، إلى فترة الحرب الباردة الذي خفف تجانس النادي الأصلي، وخلق عدواً مشتركاً، وسمح للمسؤولين الغربيين بالصمود ضمن اتحاد المجتمعات الأوروبية الرأسمالية الديمقراطية كنقيض لأنظمة التخطيط المركزي، فقد أزال سقوط حائط برلين القلق الأوروبي من الاتحاد السوفييتي اليساري، وبدأت القوة الاقتصادية الأوروبية تزداد توسعاً وقوة وانتشاراً حتى شملت بولندا، وساهمت بدعم التحولات الصديقة للسوق. وقد نمت المؤسسة الأوروبية بشكل كبير لكن على أسس وقواعد غير متكافئة لأعضائها، بالرغم من المسار الغني الذي شكله اتحاد الفحم والحديد، الذي حول الاتحاد من كتلة تجارية إلى كتلة مالية ديناميكية، إضافة إلى مقدمة اتحاد العملة وبدء تطبيق الـ «يورو» في كانون الثاني 1999 والذي صعّد أيضاً من اختلالات مالية بين الدول.
فقد أصبحنا اليوم أمام اتحاد أوروبي يضم دولاً متباينة، واقتصادات متأرجحة، تعاني مشكلات وعدواً واحداً قسم الاتحاد إلى كتلتين متناقضتين، فقد أصبح الخطر على النسيج الأوروبي يتفاقم بسرعة ومن الداخل، وحولت التدفقات الرأسمالية وبشكل غير متوقع الدول الغنية إلى فقيرة، ومن أعضاء جوهريين إلى ثانويين، فشهدت الأسواق والبنوك في تلك الدول حالات فرار جماعي، وخاصة بعد حادثة انهيار «وول ستريت».
ورضخ الاتحاد تحت وطأة الأزمة، وبدا الحياد للبلدين المؤسسين من الأولويات. فقد أصبحت ألمانيا بلداً دائناً وفرنسا مدينة. والاختلاف في طريقة وأسلوب إداراتهما للأزمة المالية العالمية التي تأثرت بها أوروبا منذ عام 2008، وبدلاً من وضع استراتيجيات متكاملة لجميع دول الأعضاء، لجأ المسؤولون في مؤسسة الاتحاد لحلول الدقيقة الأخيرة، والتي أطلقت دوامة مدمرة لقطاع البنوك والاقتراض العام، ففي ظل تضخم العجز بالميزانية، أصبحت الحكومات تحت رحمة دائنيها، وبدا الانقسام الذي أصاب القارة العجوز بغياب الشعور بالمصلحة المشتركة، ففرضت الدول الدائنة شروطاً وإجراءات صارمة بحق الدول المستدينة، فانسحب بعض المقترضين، واضطرت حكومات عدة لتحكم الاستياء من مواطنيها، وغياب كل ما بقي في الأفق إلى التقشف اللامتناه، فتدهورت الثقة بالمؤسسات العامة.
دخلت أوروبا مرحلة أسوأ بعد أزمة طالبي اللجوء التي اجتاحت الدول الغربية ضمن مسار للسيطرة على موارد القارة الاقتصادية بداية، فتورطت دول مثل ألمانيا وفرنسا وبريطانيا بحروب لا طائل منها ترتب على ميزانيتهم أعباء ضخمة ضمن (الحلف الأطلسي)، حيث سببت هذه الحروب مشكلات متعددة لأوروبا، أبرزها الهجرة القسرية للمدنيين واتفاقات الحلف الأطلسي في السيطرة والتوسع التي سببت موجات متكررة من الإرهاب والعنف داخل عواصم هذه الدول. وأصبحت شعوب أوروبا مدركة عدم قدرة حكوماتها على التعامل بشكل صحيح مع هجمات إرهابية وحماية المدنيين فيها.
فتحدثت مصادر إعلامية واستخباراتية عن إرهابيين ينتشرون في مناطق متفرقة من العاصمة الفرنسية باريس ويهددون بقية عواصم أوروبا ويرتبطون مع غيرهم بشبكة واسعة. ولم تبد أجهزة الأمن الأوروبية اهتماماً ورغبة بوضع استراتيجية متكاملة لمواجهة  الإرهاب ومكافحته. فبدأت تتزايد حالة انعدام الثقة بالنخب الحاكمة، وما يبدو هي ظاهرة اجتاحت العالم الصناعي المتقدم.
والتمرد الشعبي الذي تحركه قوى داخلية من خلال بنى وهياكل متوافقة، تتقاسم في الوقت نفسه القيم والأيديولوجيات. لكن عندما تبدأ من خلال الطبقات الثرية المتنفذة، فتكون في أغلب الأحيان غير ظاهرة، فلم يهدد المرشحون الراديكاليون للبيت الأبيض بالسعي لتدمير الاتحاد، بل قاموا بتلميع انتمائهم تحت اسم الدفاع عنه. وأصبحت أوروبا اليوم بحاجة ماسة لإعادة تموضع، بعد أن كشفت التهديدات والمخاطر على مدار السنوات الماضية حدود النموذج الاتحادي المجهز بحقبة خالية من الأزمات، فقد أصبحت المؤسسات التمثيلية لا تعمل كسابق عهدها، ولا تعبر عن التنوع والتعدد الديمقراطي الفعّال، والذي من المفترض أن يتيح للناخبين الشعور بأن إرادتهم محل تقدير واحترام، وتبدو فعّالة بشكل ما يؤدي لولادة شرعية.
وبمواجهة موجة الأزمات، وتراجع دور الإدارات التي تفاقمت لديها مشكلة صناعة القرار الديمقراطي، والفشل في تعزيز الثقة بالبنى والهياكل الأساسية. فالكل يعرف أن أوروبا تنضوي تحت مجلسين اتحاديين: الأول، البرلمان الأوروبي، والثاني مجلس الاتحاد الأوروبي الذي يضم ممثلين دوريين لوزراء الحكومات الوطنية، بالرغم من ذلك، بدا هناك ضعف مركزي في بنية الاتحاد العامة. ومن المفترض أن البرلمان سيتعامل مع مصالح المنطقة الأوسع، لكن اتساع رقعة الاتحاد جعلها صعبة المراس. وبدت الأزمات المتلاحقة في العالم تصيب الاتحاد ومؤسساته بالضعف مع غياب الدور الحقيقي لذلك، فقد تشابك عمل المؤسسات الحكومية الدولية التي تسيطر عليها بيروقراطية قاتلة ومصالح فئوية خاصة، التي من المفترض أن تعالج الأزمات المتفاقمة للقارة العجوز، وكسر الجمود في الشؤون الإقليمية، بينما ظهرت القمم الطارئة مرهقة، وفاشلة وبعيدة عن مصالح الأغلبية، فقد اتصف الحل الأوروبي لأزمة الديون اليونانية باتفاق النخبة من خلف الستار. وما كان من قرارات وحلول بالنسبة لأزمة طالبي اللجوء، وحشد الجهود لصفقة مع أنقرة التي عبرّ صراحة عن حجم المخطط الدولي لزعزعة الاتحاد.
ومع الخطط الموضوعة واتفاق أوروبا – أنقرة، بدا هناك عدم وجود حل عام وديمقراطي من خلال مصلحة جماعية، فبقي هناك حتى الآن ترسيخ لحالة تناقض بين العودة للسيادة الوطنية أو الانصهار في بوتقة الاتحاد التي سيطرت عليها سياسة التقشف والخلل في المصالح.. ولتجاوز الخلل والفجوات الإجرائية في عمل مؤسسة الاتحاد اقترح الباحث إنشاء نموذج اتحادي يتجاوز منطق التكامل والسيادة الوطنية ويجب أن يكون هذا الشكل الجديد للاتحاد مبنياً على أسس متكافئة يتم اختيار ممثليه مباشرة من البرلمانات الوطنية المنتخبة فقط، ووجوب تحديد التمثيل بحسب عدد سكان كل دولة، وستصبح بالتأكيد هناك قدرة عند ممثلي الاتحاد الجديد على القيام بواجب ودور مزدوج داخلياً وعلى صعيد الاتحاد الجديد. وهنا يجب العمل على ترسيخ مبدأ التعددية في مختلف المجالات، كالعمل على تدارك العجز الديمقراطي للنظام الحالي، على أن يتم الانتخاب واتخاذ القرارات بأسلوب هيئة تداولية، وتشاورية، مفتوحة وإعادة الثقة للسياسات الأوروبية لتصبح قادرة على حل المشكلات الثنائية.
والأهم ستكون لأعضاء المجلس القدرة على القيام بدور «جسر التواصل» بين البرلمانات الوطنية وهيئة الاتحاد الجديد. وبهذا يتم الحصول على دمج للأفكار الوطنية الأوسع للسيادة مع استراتيجية الاتحاد المتكافئة، وتتم مواجهة تحديات المرحلة الصعبة، كاجتثاث الإرهاب ومواجهة أزمة طالبي اللجوء، اللذين يعدان التحدي الأكبر لأوروبا.
ويخاطب التناقض الأساسي للاتحاد الحالي في حالته الراهنة، الممثلين لإجبارهم على اتخاذ قرار يوازن ما بين الولاء للمكونات المحلية، والولاء للمشروع الأوسع، فعندما يتجاوز مشروع الاتحاد الجديد وجود عملة موحدة مرافقة لاتحاد ميزانيات شامل، يكون قد قضى على أزمة الدين المرهقة للاقتصادات، وهذا يقود لمعالجة أنظمة الإنفاق والإشراف ووضع تحويلات مالية عبر مداولات ديمقراطية، وإذا لم يتأسس نموذج الاتحاد الجديد على عضوية أكبر أربع دول في أوروبا (ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا) والتي تمثل نسبة 75% من عدد السكان وإجمالي الناتج المحلي لمنطقة «يورو»، فسيكون هناك خلل يقود بعدها لأخطاء جسيمة.
وتجب الاستفادة من موارد هذه البلدان لجذب بقية الدول ذات الاقتصادات المتعثرة والضعيفة، فيصبح الاتحاد أكثر شمولاً وقادراً على التعامل مع الكثير من التقنيات والقضايا، وفي حال اعتماد قاعدة الأغلبية في اتخاذ قرارات الميزانية، يمكن الاستغناء عن حق النقض الذي أتى نتيجة لكل قرار يتطلب الإجماع وهو الذي أصاب أوروبا بالشلل.
إن إنشاء مؤسسات حكومية أو غيرها جديدة كلياً ليست بالمهمة السهلة. لكن البديل هو كابوس التفكك والتفرد الذي يسيطر اليوم على هذه البنية الاتحادية، فهناك مأزق بشأن النمو الاقتصادي والديون لبعض الأعضاء وأزمة طالبي اللجوء التي تهدد حالة الأعضاء الأساسيين والبنى الاجتماعية.
وإذا كان التكامل من أجل ترسيخ الديمقراطية والتقدم في أعقاب ويلات الحرب العالمية الثانية، فهذا يعني إنشاء أسس متكافئة وشاملة ومخاطبة أزمة أوروبا المتصاعدة، والأهم إعادة إحياء شعور قوي بالمواطنة الأوروبية ضمن بوتقة الاتحاد الجديد، فوجود أوروبا القوية يعني توازناً أفضل ومعياراً أدق للتعامل مع مشكلات متعددة في الأمن والمجتمعات الطبقية، والفقر، والتمييز الذي ما زال متجذراً بين شرق القارة وغربها.
وفي سياق مشابه، يحق للأوروبيين أن يطالبوا برأس «العم سام» على طبق من فضة، مع الصقور والمحافظين الجدد في أميركا، بالنظر لربع قرن أو حتى أكثر من اعتداءات عسكرية وهجمات إرهابية، إضافة لأفعال السياسة الخارجية المجنونة، فقد تسببت أميركا ومن خلال حروبها التي لا طائل منها بقتل وتشريد الملايين، وساهمت بتهجير منظم ومخطط له مسبقاً لآلاف المدنيين من إفريقيا عبر ليبيا، ومن منطقة الشرق الأوسط عبر تركيا إلى أوروبا. فدمّرت البنى التحتية للكثير من الدول، وقضت على الاقتصادات والأنظمة القائمة، ووضعت أميركا مساحات واسعة من المنطقة العربية ووسط آسيا في حالة الحطام والدمار، فانتشرت الأمراض والأوبئة وازدادت حالة الفوضى والعنف.
والسبب الكامن للهجرة البشرية إلى أوروبا، هو محاولة الامبريالية والصهيونية إعادة تشكيل المنطقة وابتلاع أوروبا المسيحية تماماً، وإحداث تحولات جذرية ديمغرافية في المجتمعات كلها. فالمخطط الأميركي الراسخ قديماً هو تأسيس لدول أوروبية كبيرة وتطويرها بشكل متزايد، لتكون أرضاً خصبة لمشروع تهجير مشابه لما يحدث الآن، فمن حروبها القديمة والمؤامرات المستمرة، تعرضت أوروبا إلى موجات تهجير وتشريد بين شرق القارة وغربها فتشكلت مناطق أوراسية جديدة من سكان أتوا من وسط آسيا والمنطقة العربية، وظهرت ممالك وإمارات على حساب دول ومقاطعات أخرى.
فالدول الأكثر توافقاً وتقبلاً لاتفاقية الشراكة الأوروبية هي (بولندا، وليتوانيا، والسويد). بينما انحدرت أوكرانيا باتجاه المسار الأميركي بعد الانقلاب المصطنع والمدعوم أميركياً عام 2014. وهناك حتى الآن أكثر من مليوني لاجئ أوكراني فرّوا من نير الحرب الأهلية التي سببتها التدخلات الأميركية، وإلى جانب ذلك، اضطرت أوروبا للدخول في حزمة عقوبات ضد موسكو، بطلب من السيد الأميركي وعلى خلفية تصويت شبه جزيرة القرم التي عادت لكنف الرعاية الروسية. ومنذ تموز 2014، كررت واشنطن اتهامات زائفة ضد روسيا بمسؤوليتها عن إسقاط طائرة المراقبين الجويين الأوكرانيين.
ويسعى الحلف الأطلسي دائماً للضغط على الدول الأعضاء والحليفة له للالتزام بزيادة مساهماتهم بتمويل الحلف، لإنجاح عملياته العسكرية ولعبته الأخيرة في الحصول على اتفاق مع الاتحاد الأوروبي لنشر صواريخ وقوات على طول الحدود الروسية من البحر الأسود إلى البلطيق.
ومقابل الحدود الشرقية لأوكرانيا، وهو الممر الوحيد لأميركا لتفريغ الأسلحة والعتاد، يتأهب الروس ضد احتمال تنفيذ غارات في منطقة القوقاز على طول الحدود الجنوبية بوساطة عصابات إرهابية ومرتزقة مسلحة، كتنظيم «داعش» الإرهابي.. وإلى جانب الولع الأميركي بنشر العنف وتكريس الفوضى في المنطقة العربية، فقد تحدثت تقارير إعلامية ورسمية عما يقارب 300 ألف لاجئ كانوا قد هاجروا إلى ألمانيا في نيسان الماضي وارتفع العدد إلى 800 ألف في منتصف آب. وبدأت الإجراءات الأوروبية تجاه ذلك، بوضع قوات أمن وعناصر حرس الحدود في هنغاريا، بالرغم من خطة الاتحاد المفروضة لقبول كل دولة عضو عدداً معيناً من اللاجئين. بينما تعرض شاطئ فرنسا الشمالي لمواجهات يومية بين قوات الأمن والمهاجرين المتوجهين لبريطانيا.
فقد عبّر المبعوث (اللاتيفي) للحلف الأطلسي في تصريح له مؤخراً أن التهديد الأكبر الذي تواجهه بلاده اليوم هو أزمة اللاجئين الفارين من بطش الحرب الأميركية على بلدانهم. فقد كتب الرياضي السويسري (نيكولاس بونال) لموقع شبكة فولتير الفرنسية نقلاً عن مجلة نمساوية عن وجود تسريبات عن الاستخبارات الأوروبية في فيينا بدور واشنطن في عملية نقل وتوجيه اللاجئين ودعمهم وسطاء لهذه العملية بالمال والتكنولوجيا اللازمة، من خلال تغطية شاملة على مواقع التواصل الاجتماعي.
فهناك لعبة الاستخبارات الأميركية في حشد الهجرات البشرية وحثها، كما ساهمت بإشعال «الثورات» العرقية، خدمة لمصالح وغايات كبيرة، وقد أصبحت أيضاً سلاحاً فعالاً وحديثاً في قاموس عمل المحافظين الجدد في واشنطن. فمن الصعب تصديق فكرة عدم إدراك هيلاري كلينتون مسبقاً نتائج (مبدأ مسؤولية الحماية) الذي نفذته في ليبيا مع زملاء السياسة الخارجية. والسؤال الأهم: هل تدفّق اللاجئين عبر هذه الأراضي، وأزمة طالبي اللجوء في أوروبا تخدم صنّاع السياسة الأميركية؟ والجواب يكمن في الرعب الأميركي من تزايد قوة الوريث السوفييتي في العالم، وعودة دوره إلى الساحة الدولية، وتالياً محاولة تكثيف وتضخيم عمليات تمويل الحلف الأطلسي في عضوية أعضائه الأوروبيين وتالياً أيضاً الالتزام بوضع قواعد عسكرية فيها، فعند إغراق أوروبا (بموجات) اللاجئين وزيادة الخطر الروسي الذي يتم الترويج له قد يقتنع الأوروبيون أن هناك غاية مفيدة من توسيع حضور الحلف الأطلسي.
وهذا ما سينطبق أيضاً على أميركا نفسها، في عملية تغيير ديمغرافي لأميركا، من خلال تشجيع السكان المكسيكيين وسكان وسط أميركا للهجرة إلى داخل أميركا، فالقيادة الأميركية منشغلة اليوم في استنزاف الثروة الأخيرة للطبقة الأميركية الوسطى والغنية واستخدامها في استقرار ودعم ملايين الفقراء والمسحوقين – على حدّ زعمهم- الذين أصبح أولادهم دافعي الضرائب وناخبين مستقبليين لحكومة فيدرالية، خوفاً من ارتدادات وانفجارات سكانية مستقبلية على شكل «ثورات» ضد الأنظمة الحاكمة فيها.
أما التحدي الأكبر فيكمن في الإرهاب الذي تعاملت معه أوروبا بشكل متناقض وأدى إلى نتائج وخيمة تدفع ثمنها اليوم، فما يجري في سورية والعراق من إرهاب منظم ومدعوم أميركياً وأوروبياً هو نفسه الذي يضرب المدن والعواصم الأوروبية الآن بدءاً من تفجيرات لندن حتى بروكسل وباريس حتى ميونيخ مؤخراً والذي سبب فوضى إرهابية ورعباً في أوروبا ككل.
وبالرغم من الاجتماعات المستمرة والدورية لقادة الأجهزة الأمنية في الاتحاد الأوروبي، فلا يبدو أن هناك نتيجة واضحة على أرض الواقع. وقوات «التحالف» التي سخرّت الأموال والإمكانات للقضاء على الإرهاب لم تصل لنتيجة واضحة، فقد تحدثت تقارير إعلامية أميركية وأوروبية عن التهديد الإرهابي الذي أصبح يشكله تنظيم «داعش» الإرهابي، والتهديدات التي يطلقها تجاه بعض الدول والأهداف في العالم، والذي أدركته أوروبا تماماً، لكنها غضت الطرف قليلاً، إرضاء لسيدها الأميركي.
لقد غيرّت الانتصارات التي حققها الجيش العربي السوري المعادلات الدولية والإقليمية، وخاصة بعد تطهير مدينة تدمر، وبدء الانهيار الدراماتيكي لما سمي «الخلافة» المزعومة للإرهابيين فبدأت تتدافع الحكومات الأوروبية للسيطرة على التهديد الإرهابي المتسع بسرعة تحت رعاية أميركية.
وبدءاً من بروكسل، وباريس وميونيخ، تأكد وجود مسألة أمنية جدية عابرة للحدود، وغياب الاستراتيجية المتكاملة لمؤسسة الاتحاد في التعامل مع قضية حساسة كهذه، فسهولة حركة الإرهابيين بين عواصم الاتحاد الأوروبي تضع تساؤلات كثيرة ولا تتم تغطيتها بين أجهزة أمن الدولة. وعلى ما يبدو فإن أوروبا تواجه اليوم عاصفة كبيرة من الإرهاب الذي يهدد كل بقعة، وخاصة مركزها الذي اكتسب سمعة سيئة «كحاضنة للإرهاب»، ولاسيما أن آلاف المواطنين الأوروبيين الذين انضموا للمجموعات الإرهابية في المنطقة خارج الفكرة الضائعة لما سمي (الجهاد)، فعلى مدار سنوات طويلة، اكتسب هؤلاء الإرهابيون مهارات في صناعة المتفجرات واستخدام الأسلحة، ثم عادوا إلى أوروبا واستقروا فيها، فقد صدّرت أوروبا الكثير من الأشخاص الذين انضموا للجماعات الإرهابية المقاتلة في سورية والعراق، وكانت أوروبا قد شدّدت القيود على الحدود، على أعتاب أزمة طالبي اللجوء، وبدا واضحاً أن هؤلاء الإرهابيين مولودون في أوروبا أو مجنّسون، فهم قادرون على السفر بسهولة عبر كتلة الاتحاد، فهناك وفرة من المجندين الإرهابيين في المجتمعات الأوروبية، والأغلبية العظمى من المواطنين المسلمين الذين يعيشون في أوروبا ليس لديهم شيء ليفعلوه أو ليطوروا معتقداتهم بالتطرف والدين، إذا لم تكن هناك جهات وجمعيات مدعومة من أشخاص ومؤسسات حكومية.
إن انتشار التطرف والجمعيات الدينية المتطرفة يهدد المجتمعات المسلمة الأوروبية التي تم تهميشها على مدار سنوات طويلة، وزاد من حالات الفقر والاضطهاد والتمييز، فقد انتشرت شروط اجتماعية متدهورة وقاسية في دول الاتحاد، والتي أصبحت مشكلة أوروبية متوطنة وواسعة اقتصادياً واجتماعياً.
وفي هذا السياق، تسعى جهات مستفيدة من التطرف في بعض المدن الأوروبية إلى استغلال أوضاع المسلمين هناك، ففي ضواحي العواصم الأوروبية ينتشر ما يقارب 60 -70 ألف مسلم، والعديد منهم يندرجون ضمن عمالة رخيصة مضطهدة، وهذا قاد إلى بطالة مزمنة غذّت في المقابل العزلة والاستياء تجاه السلطات، خاصة أن البطالة الشابة تصل لنسبة 50%، حيث يتم تجنيد شبكات متطرفة في هذا الوسط الراكد بشكل أسهل بكثير، فمن المؤكد أن التهميش والاضطهاد يزيد من التقشف الاقتصادي، الذي يؤدي إلى فقر أيضاً، وهذا النموذج يقدم ظاهرة «دول داخل دول»، إضافة للحقيقة الأخرى التي رحبت لها الدول الأوروبية وهي التبرعات المالية التي يقدمها نظام بني سعود ومشيخة قطر لبعض التجمعات الإسلامية العرقية مترامية الأطراف في أوروبا، وهذا أدى بشكل تلقائي لانتشار المساجد المعتنقة للنسخة الوهابية أو السلفية والتي تغذّي التجنيد الإرهابي بسهولة.
ومقابل ذلك، استفادت بعض الحكومات الأوروبية من عقود نفطية مع نظام بني سعود، فقد توددت فرنسا إلى حكام مشيخة قطر لتقديم مليارات الدولارات للمقاطعات المأهولة في فرنسا، وتالياً خفض الإنفاق العام من السلطات الفرنسية لكل المسلمين والعرب هناك، وشجع ذلك على تنامي تجمعات عربية مسلحة مهمشة داخل البلدان الأوروبية، وبالغالب متأثرة بإيديولوجيا متطرفة أصولية، واستطاعت أميركا بالتعاون مع جمعيات وأشخاص نافذين تجنيد جماعات دينية متطرفة واستغلالها في حروبها الوكيلة في العراق وسورية تحت نظر الحكومات الأوروبية وبمساعدتهم، فأصبحت أوروبا تساهم بشكل كبير في حروب واشنطن، لتصبح الآن ضحية الإرهاب الذي صدّرته للمنطقة العربية، وخاصة بعد انهيار ملامح «الخلافة» المبتكرة للتنظيمات الإرهابية بدءاً من تنظيمي «داعش» و«النصرة» الإرهابيين.
فالحدود الأوروبية يمكن اختراقها وهي سهلة العبور لمواطنيها، ومن ضمنهم «الجهاديون» والإرهابيون، إضافة لجمود وتراجع أداء الأجهزة الأمنية، كما كشفت الأحداث الأخيرة بشكل واضح، فقد أصبحت المهمة شاقة جداً بالنسبة لبلدان الاتحاد الأوروبي، إذ إن السلطات الأوروبية وبمساعدة أنقرة قد غضّت الطرف طويلاً عن عبور الإرهابيين لحدودهم، بسبب لعبة جيوسياسية أكبر لزعزعة استقرار دول أخرى.
وبعيداً عن التعامل مع الأحداث الإرهابية المنفردة، تتجه أوروبا إلى عاصفة تدميرية كاملة تم إنشاؤها بشكل متقن، وتالياً في نهاية المطاف يدفع المواطن البريء ثمناً مروعاً لذنب ترتكبه حكومته.