تشرين
03/08/2016

آفاق.. علم الضحية

يتحدثون في الولايات المتحدة الأمريكية (من غير إلحاح على الدقة المفترضة في مادة الحديث، لأن المهم هو الفكرة التي نعالجها، لا مسألة التوثيق الدقيق) عن وجود معاهد متخصصة، ومراكز أبحاث مرتبطة بأجهزة الأمن، ودوائر الاستخبارات،

 تدرّس مواد تعليمية تحت عنوان عريض هو (علم الضحية) بالتوازي مع ما يسمّى (علم الجريمة والمجرمين), والمنطلقُ وجود صفات، وظروف، وحالات تختص بها الضحية دون سواها، وعلى المعنيين تعرّف الضحايا، وتعرّف المرشّحين للوقوع في خانة الضحايا، قبل أن يصيروا ضحايا، بالتوازي أيضاً مع تعرّف المجرمين قبل أن يرتكبوا جرائمهم. والأمثلة في الحياة المعاصرة وفيرة. فتعرّضُ منزل بذاته للاقتحام والسرقة، من بين عشرات، أو مئات المنازل المجاورة والمماثلة، يطرح تساؤلاً منطقياً بشأن مجمل الخصائص والظروف التي جعلت هذا المنزل -دون سواه- عرضة للاقتحام والسرقة. وما ينطبق على المنازل ينطبق على البشر، فتعرّض تلميذة للأذى والاغتصاب من دون سواها من مئات، وربما آلاف التلميذات في المدرسة ذاتها، أو السكن الجامعي ذاته، يطرح تساؤلات ملحاحة بخصوص كل ذلك الذي جعل الضحية ضحية، على أرضية البحث في مجمل المشتركات التي تكتنف ملايين الذين جعلتهم الجريمة ضحايا، على مستويي الظروف المكتنِفة (بكسر النون) والخصائص الذاتية للضحية، سواء أكانت الضحية شخصاً مفرداً، أم منزلاً، أم منشأة اقتصادية، أم دولة. بالتوازي مع التمحيص الدقيق في القنوات التي تصل المجرم بضحيته، والأسباب التي جعلت هذه الضحية تجتذب هذا النوع من الجرائم والمجرمين... إلخ. وفي زعمي أن ما ينطبق على الأفراد/ الضحايا ينطبق على المجموعات البشرية، وعلى الكتل الاجتماعية الكبرى، وكذلك الدول التي جعلتها الجرائم الكبرى على مر التاريخ ضحايا كبرى. ربما يشي السياق الآنف بضرورة المزيد من تجريم المجرم، والمزيد من إدانته، بالتوازي مع تبرئة الضحية، ورفع مستوى التعاطف معها، ولذلك نضع في سياق الضرورة تساؤلاتنا القاسية المشروعة عن مسؤولية الضحية ذاتها عما جعلها ضحية، وعما جعلها تقع ضمن المجال الجاذب المجدي للمجرم الذي جعلته الضحية ذاتها مجرماً.  لقد لعب اليهود على مر العصور المعروفة دور الضحية النمطية، وقد مكنهم لعب هذا الدور الذي أدّاه حاخاماتهم، وقادتهم السياسيون بمهارة وإتقان، من تمتين لحمة التعصب الذي أبقاهم كتلة صلبة عصية على الاختراق من الخارج، وعصية على الانحلال والاندماج في الوسط الخارجي المغاير المحيط. كما مكنهم لعب دور الضحية من حصاد كميات متفاوتة من التعاطف العالمي الذي نشهد الآن ذروته المتمثلة في الدعم الغربي الأقصى لكيان الدولة التي تدعي تمثيل اليهود.  من المستغرب أن يستمرئ المرء وقوعه في موقع الضحية على المستويين الفردي والجمعي. ولكن المريع في المشهد السياسي على المستوى العالمي أننا ننزلق بتسارع مرعب نحو السقوط في هاوية الضحية، بوصفنا عرباً، وبوصف منطقتنا مكتظة بالدول الملفّقة الهشّة التي تشكل هشاشتها العنصر الجاذب الأبرز لاستقطاب المجرمين الكفيلين بجعلها ضحية، وضحية منسية في طيات التراب، ومجاهل التاريخ.  بعض المشكلة يكمن في استمراء دور الضحية بشكل مرضي، واستمرائه إلى حد التلذذ والشعور بالغطرسة الخاصة بالضحية، فردياً، وجمعياً. وأدّعي أن الأمثلة في هذا السياق وفيرة إلى حد الغزارة. سواء أكانت القناة التي تسلكها الجريمة قناة عنفية عسكرية، أم سياسية، أم اقتصادية، أم إيديولوجية، على الصعيد الجمعي، وأياً كانت على الصعيد الفردي. وبعض البقية من المشكلة أننا نعي المشكلة، ولكننا ننصرف، عمداً أو عجزاً، عن فعل أي شيء يوقف انزلاقنا نحو الهاوية. لقد حذّرنا الفن بلسان الشاعر العراقي مظفر النواب، منذ عشرات السنين في وترياته الليلية المعروفة: “سنصبح نحن يهود التاريخ، ونعوي في الصحراء بلا مأوى”. ولكن يبدو أن التحذير الذي يطلقه الوعي السياسي الشامل، ويطلقه الفن المتألّق النافذ لا يجد الأصداء المناسبة في منطقتنا المثخنة بكل أنواع الجرائم، وإن كان هناك من أصداء، فالأصداء تظل مجرد أصداء.