تشرين
05/07/2016

«المختبر الخامس عشر».. الرقص شغفاً

يذكرني الفرق بين الرقص والتمثيل، بالفرق بين الرواية والمسلسل، فبقدر حميميّة الأولى

 ومتعتها ومخاطبتها لكل حواسنا وترك العنان لمخيلة متلقّيها لتفصيل القصة على مقياس فكره، بقدر جمود الثاني في تقييد المتلقي في حرمانه من متعة الخيال، وفي رأيي إن الرقص من أكثر الفنون شغفاً وصدقاً، وهذا الشغف هو ما يدفع شباب وشابات لاختيار الدراسة في قسم أكاديميّ لا يُخرِّج مشاهير، ولا مستقبل قوي له، ولا مردود مادي، ولا حتى رضى مجتمعيّ عنه.
في داخل كل واحد منا هناك عشق دفين للرقص كتعبيرٍ حقيقي عن كل ما يختلج فينا من مشاعر لاستخدام انحناءات أجسادنا وجمالياتها وقوتها، والبوح بمكنونات أنفسنا، وتفريغ شحنات غضبنا وشوقنا وفرحنا وحبنا، لكن لا يمكن أن ننكر أن أحداً منّا رغم كل ما سبق، لا يجرؤ على أن يهِبَ حياته بالكامل للرقص، وأن يحترفه كعمل حقيقي، فما هي درجة العشق التي وصل إليها هؤلاء الطلاب لهذا الفن الراقي والممتع، والذي بدأ يأخذ مكانته في قلوب الجمهور السوري الذي بدأ يدرك القيمة الثقافية والفنية لهذا الفن.
فارق واضح بين التمثيل المسرحي والتلفزيوني وبين الرقص، أحسست به وأنا أشاهد الطالب أحمد جودة، وهو يقدم مشروع تخرجه في قسم الرقص في المعهد العالي للفنون المسرحية بدمشق، والذي حمل عنوان مادة المختبر، ورقم الدفعة ليكون «المختبر الخامس عشر»، والذي بدا كأنه يقرأ لنا روايةً من دون صوت، ويترك لعنان خيالنا حريةَ الرقص مع شخوص اللوحة التشكيلية الحيّة، التي رحنا نتابع رسمها أمام أعيننا بمتعةٍ لا توصف.
جودة الذي اختار تمثال (داوود) لمايكل أنجلو ليكون رمز «البوستر» الخاص بمشروعه، أراد أن يصل جسده بجسد المنحوتة، الأقرب إلى تشكيلة جسده، حسب قوله، فالتوتر الذي يعطيك إياه التمثال لتشعر بالتحفز والإثارة لحركة داوود التالية، حيث يقف وهو يترصد عدوه منتظراً اللحظة المناسبة للتحرك، هذا التوتر ربَطَه جودة بالتحول البطيء الذي يحيل الإنسان مع الزمن إلى مجرد حجر خالٍ من المشاعر، وخصوصاً بعد تعرضه لصدمة الحب الأولى.
الخريج الوحيد لهذا العام، والذي قضى في المعهد 7 سنوات من الدراسة والكفاح والتأجيل والمعاناة، كللها مساء السبت الماضي، بمشروع تخرج متكامل، من فكرته وتصميمه وأدائه ومشاركة زملائه، ومن إشراف رئيس قسم الرقص في المعهد معتز ملاطية لي، الذي أشاد بالمجهود الذي بذله جودة، متطرقاً إلى معاناته حتى استطاع تحقيق حلمه اليوم، ومؤكداً أن المستقبل بانتظار الرقص السوري المعاصر، الذي بدأ الجمهور السوري يفهمه بشكل أفضل، ويتقبله، بل وينتظر عروضه.
جودة بدأ مختبره الخامس عشر بعرض مادة سينمائية بسيطة في بداية عرضه، مرت على أسماء جميع خريجي قسم الرقص منذ الدفعة الأولى، ثم انتقلت بنا إلى حديقة تشرين لنشاهد جودة وهو يركض طوال الوقت، ويصعد أدراجاً وينزل أخرى، في إشارةٍ غير موفقة لحياتنا التي نقضيها في الركض وراء حاجاتنا، لينتقل جودة بمادته الفيلمية بعد ذلك إلى كواليس المسرح الدائري (مسرح فواز الساجر) لنشاهد فتاة تتعرض لما يشبه التحرش الجسدي، من قبل شابٍ آخر، يحاول استغلال مشاعرها نحوه لتلبية حاجاته الجسدية.
مادة فيلمية لم تضف إلى العرض أي قيمة فكرية أو فنية، كان الأجدر بجودة أن يستبدلها بفيلم يتحدث عن قصة حياته ومعاناته ومقدار الضغوط التي تعرض لها كطالب في قسم الرقص في المعهد العالي من قِبل ذويه والمجتمع، الذين عارضوا قرار التحاقه بقسم الرقص، ما تسبب بتوقفه عن الدراسة سنتين.
منتقلاً من المادة الفيلمية إلى العرض الحيّ، يتابع جودة ركضه إلى داخل المسرح، وتركض برفقته الفتاة والشاب اللذان كانا في الفيلم، في تنسيقٍ حركي دقيق، يقارب حركات عقارب الساعة الثلاثة، الثواني والدقائق والساعات، في إشارة للزمن الذي يقتل المشاعر الإنسانية ويحولها إلى حاجات مادية بحتة.
الرقصة التي تجمع بطل «المختبر الخامس عشر» بالراقصة المبدعة مها الأطرش، وهي خريجة المعهد العالي للفنون المسرحية -قسم الرقص تحدثت، بحركات قوية وديناميكية متفجرة بالأمل والرفض والألم، عن قصة حب عذري لشابٍ لا يريد إلا أن يحمي محبوبته، ويدفع عنها الشرور، ويحتضنها ويعتني بها، لكن مثل هذا الحب المثالي، لا يغري قلوب فتيات هذا الزمن، فتذهب الأطرش إلى الشاب الآخر (خاجيك كجه جيان) وهو طالب سنة ثالثة –قسم الرقص، وتساعد الإضاءة الحمراء لمسات يديه المملوءة بالرغبة على الوصول إلى جسدها النحيل، كما تساعدها على فهم غايته منها، فترفضه بقوة، ويرميها كجه جيان عقوبةً لرفضها له في أحضان حبيبها المثالي، الذي كان يتلوى ألماً وغيرةً، وقبل أن يفرح بعودتها، تعود بقدميها الراقصتين إلى من رماها، ومجدداً تقاوم رغباته ولمساته، وتحاول الهرب منه، لكنه يمنعها ويستعيدها عنوةً، لنقع على ملحمة عشقية راقصة، تتحارب فيها مشاعر الحب مع رغبات الجسد، وتتقهقر أمام ناظرنا كل قيم المثالية والصفاء، فيتعارك الحب والرغبة في قصة إنسانية عاطفية، جسدها الراقصون الثلاثة بطريقة مبدعة وأداء أكاديمي محترف، يلفت النظر إلى أهمية الرقص كشكل من أشكال الفن الثقافي السوري، ويستحق أن يحظى بالاهتمام اللازم من قبل أصحاب القرار، لدعم مواهب هؤلاء الشباب، وتكريس إبداعاتهم وجهودهم الأكاديمية في عروض دورية تقيمها وزارة الثقافة، لا تقل قدراً وأهميةً عن عروض الأمسيات الموسيقية، والمسرحيات التي ترصد لها الوزارة الملايين، مهملةً الرقص السوري، ودافعةً بالراقصين الشباب إلى التفكير بالهجرة، بعد وأحياناً قبل التخرج، بحثاً عمّن يقدّر ما يمتلكونه من مواهب.   
    ت: وائل خليفة