تشرين
01/06/2016

آفاق.. جاذبية الأفول

للصحراء بأشكالها المتعددة جاذبية مشهدية آسرة لا تتأتّى لسواها من بقية أشكال الأرض، لكن هذه الجاذبية البصرية التي تناولها الكتّاب والفنانون التشكيليون والسينمائيون هي خلاف ما يراه الأبناء الفعليون للصحراء القاسية ذات الصفات المنفّرة بوصفها المكان الأكثر قسوة وتطرّفاً من الناحية المناخية،

والأكثر جدباً وقحطاً، والأفقر بالموارد المائية والغذائية، وفي هذه المفارقة بين الجاذبية المشهدية البصرية التي تنشئها الرؤية الخارجية، والتنفير المرتبط بالندرة والشح، وعيش الضرورة والكفاف المرتبط بالمقاساة التي يفرضها المكان على أبنائه المتكونين في رحمه، وبقية دواخله، تنهض التباسات، وإشكاليات سعت عبر التاريخ إلى تفسير ما يبدو تناقضاً حاداً بين فقر المكان وشحه بالموارد والعناصر، والموجودات من جانب، وبين ثرائه بالثقافة الباذخة التي تجلّت في مناطقنا الصحراوية أدياناً، وأساطير، وأشعاراً مندرجة في أقانيم الخلود، من جانب آخر.
المجال الصحراوي على وجه العموم تجسيد مباشر قويّ لفكرة الأفول، بإطلاق الدلالة، وخصوصاً إذا قصده المرء من مجال مديني عامر بالحياة، أو من مجال ريفي عامر بالخصوبة وعطاءات الاخضرار، وبالتوازي مع الأفول المتجسد بالصحراء، يتجسد الأفول الزماني كل يوم بحدث غروب الشمس الذي يطوي صفحة من صفحات الضياء، وصخب الحياة، ويفتتح صفحة من صفحات التعتيم والسكون والموات، ولا أحسب أن الروائي المصري بهاء طاهر كان في معزل عن الاندغام في هذا الجو المزدوج من حالتي الأفول المكاني والزماني، خلال إنجاز روايته (واحة الغروب) التي تسرد مقطعاً زمنياً من حياة واحة (سيوة) في أقصى الصحراء الغربية لمصر، أواخر القرن التاسع عشر.
يفترض القارئ منذ مباشرة القراءة إلى الانتهاء منها أنّ فرادة تلك الواحة الواسعة الواقعة وسط بحر شاسع من الرمال هي التي تفرض على زائرها، أو مستعرفها حالة شاملة من الذهول والإعجاب والاندهاش الساعي بغير طريقة إلى موازاة المكان المدهش الفريد الذي صنعته الطبيعة بفعل ثقافي صنعه الإنسان ليدرجه في أقنوم الديمومة، وهذا ما فعله الفراعنة الأقدمون الذين بنوا عدداً من المعابد والمقابر الفريدة في محيط تلك الواحة بوصفها تجسيداً للغرب المصري الأقصى الذي يجسّد معنى الأفول المضاعف، أفول المكان الخصيب المنتهي بالصحراء التي تبدو من غير نهاية، وأفول الزمان المتمثل بالغرب، أو بغرب الغروب الغربي، وأفول الحياة المتجسد بالمقابر والموت. فكانت الواحة بخضرتها الفريدة، وسط الموات الرملي الشامل، وينابيعها العذبة، وبحيراتها العذبة والمالحة، مجرد محطّة أخيرة تسبق الخطوة الأخيرة نحو الامّحاء في التلاشي والعدم، واللانهاية المفتوحة على شتى الاحتمالات. ومثلما فعل الفراعنة، سعى الإغريق في حقبة الإسكندر، وسعى بعدهم الرومان إلى ترك ما يشبه البصمة الثقافية على المكان، وتجلى ذلك في وجود معابد ذات طابع إغريقي، وأخرى ذات طابع روماني، وكان الأهم اصطناع قصة نقل الجثمان المحنط للإسكندر المقدوني الذي مات شاباً في بادية العراق (بابل) لدفنه في واحة سيوة. ولي أن أدعي أن إدراج تلك الواحة في سياق الفن السردي قمين بصنع بصمة ثقافية عربية معاصرة تسم ذلك المكان الذي تنافس الأقدمون على حيازته الثقافية عبر ترك بصماتهم، وتواقيعهم عليه.
أفترض أن (جاذبية الأفول) تتجاوز الحالة المكانية الفريدة التي تمثلها واحة سيوة في سياق الثقافة الإنسانية إلى ما يُدعى بنزعة التدمير الذاتي لدى الكائن البشري، هذه النزعة المتمثّلة ثقافياً في إنتاج عدد هائل من الأعمال الفنية المتغنّية بجماليات غروب الشمس، وجعله تمثيلاً ثقافياً متجدداً لفكرة الزوال والفناء، وتمثيلاً موازياً يشعّ بمجمل حالات الأسى، والحزن، والاكتئاب التي تنتاب الكائن البشري على مدار حياته، حسبما تجلى ذلك في الفن التشكيلي، والشعر، ومجمل فنون القول.