تشرين
09/08/2015

أندريه شديد التي بحثت عن نفسها في الآخر

من أمٍ سورية دمشقية وأب لبناني وتنشئة مصرية وثقافة أوروبية وُلدت أدبية الشاعرة أندريه شديد،

 فليست رؤيتها الأممية للحياة إلا اختلاط أنساق نفسية وفكرية شكلت كاتبةً دينها وديدنها المحبة الجامعة التي يمكن أن تنتج عن التلاقح العضوي والثقافي بين أنواع البشر المختلفة، و«شديد» كتبت في كل أصناف الأجناس الأدبية من رواية ـ منها ما حول إلى أفلام ـ وقصة ومسرحية، فهي وإن غلب عليها لقب الروائية إلا أنها قالت في الشعر ما يكشف أن له مكانته الأثيرة في نفسها (الشعر.... إنه خارج الأعمار والأجناس والألوان والجغرافيا، إنه مرادف للحرية أو بديل لها، ولا تحده حدود القسوة أو الدم)، ولعل ما يجعل من أندريه شعشعة مميزة في تاريخ الأدب أنها أكثر من وقفت مع الإنسان ضد عقائده ولونه وعرقه أو أي نسبية أخرى يمكن أن تبعده وتفرقه عن مطلَقه الإنساني، فالسمت الذي توجه إليه كتابتها هو الآدمية التي نبعنا منها جميعاً، هذه الآدمية هي ما يجب أن نستمر في محاولة جعلها متوقدة في عقولنا وقلوبنا لأنها ستمكننا من أن نتجاوز التناقضات الوهمية التي تراكمت عبر التاريخ بفعل عبث المتغطرسين مستغلي الاختلافات الطبيعية بين البشر ليشعلوا حروب أطماعهم بالهويات القاتلة كما سماها أمين معلوف:
«لمن نعيد دم البشر المنتشر بقوة؟/ هذا الدم المبدد/ كان يحمل مصيراً بكامله/ وينشط حياة بأسرها».
لقد كان فعل التلاقي بين البشر هو الهاجس الذي عملت عليه هذه الشاعرة بقوة في منجزها الأدبي عامة، تلاقي الناس مع الناس، تلاقي المختلف مع المختلف بل تمازجهما لبناء الحياة وتزيينها وإغنائها بأطياف متولدة من أطياف عرقية وثقافية متنوعة، وهي ترى في رد عن سؤال بشأن هويتها أن جذورها المتعددة لا تشعرها بالإرباك تجاه من هي؟ بل على العكس تجعلها أكثر اتحاداً مع إنسانيتها: «ليس لدي شعور بانقطاع أو تمزّق ما، وإنما بعالم أكثر التحاماً، لا حدود داخله، وأعتقد أن الحواجز بين البشر مزيّفة ومختلقة وبأن الأساس هو أرض مشتركة». وتضيف مترنمة بهذه الإنسانية: «أنا متعددة/ أنا واحدة/ أنا من هناك/ أنا من هنا».
نحن نشترك في إنسانيتنا ونشترك في أنّ (الموت ليس شيئاً عارضاً بل هو نسيج الوجود الإنساني) كما قال الفيلسوف الوجودي هيدغر، فنحن موجودون مع موتنا متعايشين معه، فالموت هو النهاية المحتومة التي كما قالت شديد تهندسها حياتنا: «ماذا نفعل غير زيارة الزمان/ في الوقت الذي يتهندس فيه موتنا/ في القريب؟».
فلماذا قبلما يفكنا من أسرنا الأرضي الموتُ لا نحل قيودنا وحدودنا تجاه بعضنا بعضاً ونعطي للحرية -السمة العقلية الكبرى- حقنا بها؟، فالزمن يمضي ويمضي، والموت لا مُحال عنه، فلتتفتح قلوبنا لقلوبنا في غمرة الحياة نعيشها من دون أن نؤذيها بل نحميها ونجملها: «يذوب الزمان مثل الشمع/ ولا تنفك القيود/ إلا للقلب المبحر».
كتبت شديد في الموضوعات الفلسفية والذاتية والفنية إلا أن الوضع البشري المتشرذم في الشرق خاصة هو ما أرقها وميزها عند نقادها ومحاوريها، وكيف لا؟ وهي التي عرفت الحرب الأهلية في لبنان، وتوجعت لما وصل إليه الأمر حينها في بلد أبيها من تحاقد وتناحر ترك وراءه آثاماً وندوباً قبحت معنى الإنسان ومعنى العقل ومعنى الوجود، ولهذا أرادت بكتابتها أن تؤكد خطأ فكرة أن المختلف خطأ وفقط الشبيه هو الصحيح، فكتبت نفسها للآخر، كتبتها ليجد نفسه فيها كما لتجد نفسها فيه:
«كلما أكتبني/ كلما أكتشف بعضاً مني/ فأجد فيّ الآخر من جديد».

أندريه صعب شديد مواليد القاهرة عام 1921 توفيت في فرنسا 2011 بدأت الكتابة بالإنكليزية ثم كتبت بالفرنسية، ألفت الكثير ومنها أغانٍ لابنها المطرب لؤي شديد إضافة إلى كتب للأطفال، حصلت على العديد من الجوائز منها الغونكور ووسام الشرف الفرنسيان.