تشرين
28/01/2015

آفاق.. جبهة بلا رحمة

(جبهة بلا رحمة) مسلسل تعرضه الآن قناة (تلاقي) والمسلسل المتعوب على إنتاجه، عرضته القناة الثانية السورية خلال ثمانينات القرن الماضي، ولولا الطرح السياسي الصريح لظنّه المشاهد إنتاجاً هوليوديّاً لأسباب فنّية/ تقنية طالما وقفت وراء النجاحات التي حققتها السينما الهوليودية، على أصعدة شتى،

 بغضّ النظر عن المضامين المبثوثة والمدسوسة في الإنتاج الهوليودي، كضخامة الإنتاج، والأكلاف الباهظة، والأعداد الكبيرة للممثلين، وإتقان أداء الأدوار، وإتقان إنجاز الإقناع الفني، وجودة التصوير، واستثمار جمالياته، والتصوير في أماكن مفتوحة شديدة الاتساع، مع إتقان السيطرة على المشهد الشاسع، وضبط عناصره، ومنعها من الانفلات، إلى آخر ما هنالك من عناصر معروفة في هذا السياق، يتصدرها ما يتصل بالإثارة، وإحداث الترقب والتشويق.
المسلسل من إنتاج ألمانيا الشرقية (سابقاً) وهو من الإنتاجات القليلة التي أُتيح للمشاهد السوري أن يراها بسبب إتخامه بالمواد الأمريكية الطاغية على سوق الإنتاج العالمي. ومن المناسب في هذا السياق أن نشيد بإدارة القناة التلفزيونية السورية الثانية في أيام عزّها، تلك الإدارة التي كانت تُخضع موادّها لمعايير رصينة حاسمة، أبرزُها، حسبما تشي بذلك نوعية المواد المعروضة، احترامُ ذكاء المتلقي، واحترام ذائقته المتطلبة، وتنويع مصادر تلك المواد، لإنشاء بعض الحيلولة دون كلية السيطرة الأمريكية على أفكار البشر، وأذواقهم في شتى بقاع الأرض.
لا يعني ما بسطناه أن المسلسل خال من العيوب الفنية، وسواها، فالمسلسل المندرج في سياق الدعاية الشيوعية، ومحاربة العنصرية الألمانية ممثلة بطغيان النازية خلال الحرب العالمية الثانية، وما سبقها من إرهاصات، وما تلاها من نتائج، يشوبُه تمحورُه حول فكرة (السوبرمان) الفكرة التي لا تزال تروّجها الثقافة الأمريكية بشتى الوسائل، فلولا المنطوقات المترجمة لشخصيات العمل، لاقتنع المرء بأنه يشاهد أعمالاً خارقة يمارسها (سوبرمان) أمريكي، لا (سوبرمان) شيوعي/ ألماني، إذ من غير المحبّذ، ومن غير المقنع فنّياً أن يُواجه أنموذج المارينز الأمريكي بأنموذج من طبيعته، مع الاقتصار على مخالفته في التوجّه والقصد. ومن غير المقنع في المسلسل الذي ينفي (الرحمة) أن يبدو المحققون السوفييتيون، والألمان الشرقيون محققين يلتزمون أقصى درجات الإنسانية، والأخلاق الرفيعة خلال انتزاع المعلومات الاستخباراتية السرية من أعدائهم.
الأهم في المسلسل المتمحور حول الأعمال الحربية الاستخباراتية المتبادلة بين القوى المتحاربة آنذلك (السوفييت، والنازيين، والبريطانيين، والأمريكيين) قدرتُه على رسم جبهة عالمية شديدة الامتداد في الزمان والمكان، كانت بؤرتها ألمانيا، لكنها امتدّت إلى إسبانيا في حربها الأهلية خلال ثلاثينات القرن الماضي، وشهدت تلك الجبهة الإسبانية دعماً ألمانياً هائلاً لقوات الجنرال فرانكو، كان أكثرها دموية قيام الطيران الألماني النازي بإبادة قرية (الجورنيكا) الإسبانية ومحوها عن الوجود، بسكانها الذين تجاوز عددهم الستة آلاف. ثم امتدت تلك الجبهة شرقاً إلى قلب القوقاز الغنية بالبترول، والمحاولات الألمانية المستميتة لبلوغها، والسيطرة على بترولها، في كلّ من (باكو) و(غروزني) التي لم تكن معروفة إلا لدى ذوي الاختصاص، قبل تصدرها عناوين الأخبار بسبب صلتها المباشرة بأعمال الإرهابيين المقاتلين الشيشان. وبعض الملفت في الخطط التي عرضها المسلسل بوصفها خططاً ألمانية نازية للسيطرة المعلنة الوقحة على العالم، تركّز حول إصبع الضابط النازي، وحومانها داخل الدائرة الجغرافية السورية، بوصف السيطرة على تلك الدائرة الصغيرة سيطرة على العالم بكامله، من غير أن يذكر سورية بالاسم، بل يشير إليها تحت تسمية الشرق الأوسط ومركزه. وبعض الملفت أيضاً في هذا المسلسل الذي لم يلفت الانتباه إلى استبصاراته أثناء عرضه السابق، أنه امتدّ بجبهة الصراع إلى ما تلا الحرب الثانية، عندما انخرط كثير من الضباط النازيين في الخدمة المباشرة تحت المظلتين البريطانية والأمريكية، على أساس أن السياسات النازية، وأفكارها العنصرية الصريحة امتدت إلى هاتين الدائرتين، وخصوصاً الدائرة الأمريكية التي تابعت، ولا تزال تتابع النهج العنصري النازي بلا أي مواربة، ولا أي رحمة.