تشرين
07/06/2014

آفاق.. الوجه الثقافي للمعركة

استُعمل تعبير (العلمانية الرخوة) وسماً لبعض الأنظمة السياسية التي طأطأت الرأس أمام اندفاع التيارات الدينية المتطرّفة في كتاب (العلمانية في ضوء الأصوليات اليهودية والمسيحية والإسلامية) والواضح في سيرورة الأحداث الدامية الخطرة في المنطقة أن هذه الرخاوة المرصودة كانت عاملاً جوهرياً في ضعف وسائل التصدّي لمظاهر نشر الكراهية القائمة على أسس دينية مفترضة، وخصوصاً على الصعيدين الاجتماعي والثقافي. والواضح الخطر في هذا الشأن أيضاً أن إلغاء الآخر (فردياً وجمعياً) على المستوى الثقافي هو مجرّد مقدّمة لإلغائه على المستوى البدني، مهما بلغت أكلاف ذلك من أموال، وتدمير منشآت عامّة وخاصّة، وإبادة جماعية، بما في ذلك إعداد منفّذي عمليات التدمير والإبادات الجماعية التي مازلت منابر ثقافية عديدة جدّاً تبثّ الدعوة في سبيلها، وتروّج لها، بدءاً من منابر المؤسسات ذات الطابع الديني في بلدان الخليج، وليس انتهاء ببعض مؤسساتنا التي نفترض (بعد ثلاث سنوات من العنف الإلغائي) أن تكون قد أصبحت نظيفة من النخر المسؤول مسؤولية مباشرة عن كثير من أوجه الكارثة الراهنة.

لم يعد الوعظ في هذا السياق مستساغاً، ولا مجدياً، والزعم الذاهب إلى أن الدولة غافلة عن هذا الجانب الثقافي الخطر من معركة الوجود، زعمٌ يجانب الصواب، لأن المظاهر الدالّة على يقظة الدولة ممثّلة بمؤسّساتها العديدة، الرسمية وشبه الرسمية، مظاهر كثيرة متنوّعة، نذكر منها – تمثيلاً لا حصراً- ما يحدث من نشاط معرفي كثيف وحثيث تحت مظلة (علماء بلاد الشام) وهو نشاط أفترض أنه يضع في صلب اهتماماته تنقية الخطاب الديني من الشوائب التي طفت على السطح لتصنع ما نعانيه اليوم، وفي مقدمة ذلك تنقية الخطاب من سموم الكراهية. لكن المشكلة الناجمة عن الرخاوة والترهّل في الأداء الثقافي تقع في أمكنة أخرى خارجة عموماً عن نطاق المؤسسات ذات الطابع الديني، إنها تقع في صلب البنى ذات الطابع الثقافي الصرف، وهي بنى عديدة في سورية، حين يلتبس أداء بعض المؤسسات الثقافية بأداء الذاهبين إلى جعل الدين مجرد سبيل للتقوقع، ونشر الكراهية.
لا تتعلّق هذه الالتفاتة بالدعوة إلى ما يُدعى بتطهير المؤسسات الثقافية من عوامل الفساد والبِلى والنخر، ففكرة التطهير أياً كان الأساس الذي تقوم عليه، هي مظهر من مظاهر إلغاء الآخر، فالمسألة قائمة في تلمّس طبيعة السياسة التي تعتمدها مؤسّساتنا الثقافية المختلفة، فوزارة الثقافة السورية (مثلاً) كان اسمها – وربما ما زال – (وزارة الثقافة والإرشاد القومي) للإشارة إلى توجّهها السياسي الموظّف في نشر الفكر القومي العربي، لا سواه من أفكار، وثقافات مضادّة لا يتّسع المجال بطبيعة الحال لمناقشة قوائم المطبوعات الصادرة عن الوزارة، وخصوصاً بعد حدثين أراهما بارزين: يتمثل الأول في رحيل الفيلسوف أنطون مقدسي القامة السامقة في تاريخنا السوري الحديث، رحيله عن موقعه السابق في الوزارة قبل رحيله عن الحياة. ويتمثّل الثاني في إنشاء الهيئة العامة السورية للكتاب. ولا يقتصر الأمر على مطبوعات الوزارة بل يُفترض أن يشتمل مطبوعات المؤسسات الثقافية الرسمية والخاصة أيضاً، التي يجب إخضاعها جميعاً للتأمّل والدراسة والنقاش.
لهذه المسألة المثارة أكثر من جانب موازٍ، ومواشج، الأبرز جانبان: يتعلّق أحدهما بما يُسمّى مراعاة المتطّرفين من الناحية الدينية، تحت عباءة احترام الأديان، وهي مراعاة ليست فقط شكلاً من أشكال المراءاة، أو الخوف من تهديدات (القاعدة) ومشتقاتها، بل تمثل مشكلة (المراعاة) في أن العقلية التي تحكم عناصر القاعدة عقلية موجودة في بعض رؤوس معنيين بالشأن الثقافي في بلادنا. ويتعلق الجانب الآخر بالتعمية والتعالي على تسمية الأشخاص الذين يتحملون أعباء ما نثيره الآن من مسؤولية الافتقار إلى طبيعة السياسة الثقافية المعتمدة خلال الفترة المؤسّسة لما حدث من نخرٍ على المستوى الثقافي، فالمهمّ تشخيص الظاهرة، قبل تحديد المسؤولين عن وجودها.