تشرين
02/12/2013

«سينما نوفو» البرازيلية تطرح قضايا اجتماعية وتعالج مسألة الهوية والفقر والعنف

«سينما نوفو البرازيلية» عنوان المحاضرة التي ألقاها الناقد السينمائي والمترجم ناصر ونوس مؤخراً في «القاعة القديمة» في طرطوس بدعوة من جمعية العاديات

 إذ يقول: يشكل اهتمامي بسينما نوفو البرازيلية جزءاً من اهتمامي بسينما أمريكا اللاتينية على وجه العموم. والذي هو بدوره جزء من مشروع طويل الأمد أعمل عليه بحثاً وكتابة وترجمة، يتضمن سينما العالم الثالث. وهو اهتمام سيفضي في النتيجة - فيما يخص سينما أمريكا اللاتينية - إلى ثلاثة كتب، الأول بعنوان «مخرجون من أمريكا اللاتينية» والثاني هو ترجمة لكتاب بعنوان «الكتاب الدليل لسينما أمريكا اللاتينية» والكتاب الثالث سيكون بعنوان: «نظرية السينما في أمريكا اللاتينية» ويتضمن دراسات كتبها أهم أعلام السينما الأمريكية اللاتينية بدءاً من ستينيات القرن الماضي والتي دعت إلى سينما خاصة ببلدان القارة الأمريكية اللاتينية وتعالج قضايا تلك البلدان مثل مسألة الهوية والفقر والعنف. وقد تبلورت تلك الدعوات بحركتين سينمائيتين الأولى هي «سينما نوفو»، موضوع محاضرتنا، التي ظهرت في البرازيل ممثلة بعدد من السينمائيين أهمهم: غلاوبير روشا، ونيلسون بيريرا دوس سانتوس، وكارلوس ديغيس، أما الحركة الثانية فهي «حركة السينما الثالثة» التي ظهرت في الأرجنتين ممثلة بمخرجين هما «فرناندو سولانا» و«أوكتافيو جيتينو» اللذان دعيا إلى سينما ثالثة في بيان شهير ظهر عام 1969.
البحث عن الهوية
ويشير الناقد ونوس إلى أن سينما نوفو البرازيلية نشأت مستلهمة أهم حركتين سينمائيتين ظهرتا في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية هما الواقعية الإيطالية الجديدة، والموجة الفرنسية الجديدة التي تشكلت من تيارين هما «سينما فرتيه، أو سينما الحقيقة، وأحياناً تسمى السينما المباشرة» و«سينما المؤلف». وقد نشأت سينما نوفو كردّ على أهم تيارين كانا سائدين في العالم الغربي آنذاك، الأول هو السينما الأمريكية ممثلة بهوليوود والتي كان معظم، إن لم يكن كل إنتاجها معنياً بالدرجة الأولى بتقديم التسلية للمشاهدين مقابل جني المال منهم. أما التيار الثاني فهو سينما المؤلف الأوروبية التي أيضاً لم تكن معنية بقضايا المجتمع وإنما بالمسائل الشخصية للمؤلف المخرج.
وعلى صعيد المضمون يذكر الباحث أن الهمّ الرئيسي لحركة سينما نوفو كان طرح القضايا الاجتماعية في السينما، المتمثلة بالبحث عن الهوية، والفقر، والبطالة، والعنف، والجريمة، والتخلف. أما على صعيد الأسلوب فقد نادى أقطاب هذه السينما بإنتاج أفلام بأرخص التكاليف، من خلال التصوير في الأماكن الحقيقية للأحداث، بدل الاستوديوهات والديكورات البالغة التكاليف، واستخدام الممثلين من المواطنين العاديين من سكان تلك المناطق التي يجري فيها التصوير وتدور فيها الأحداث، وهم من الأفراد الذين لم يسبق لهم أن ظهروا أمام الكاميرا، واستخدام الكاميرا المحمولة الخفيفة، وتسجيل الصوت المصاحب للحدث بدل تسجيله في مرحلة لاحقة. وهذا الأسلوب استمده أصحاب سينما نوفو من السينما الفرنسية المباشرة، التي أخذته بدورها من مخرج الأفلام الوثائقية الروسي الشهير دزيغا فيرتوف صاحب الكتاب الشهير «العين السينمائية» والفيلم المعروف جيداً في تاريخ السينما «الرجل صاحب الكاميرا».

النشأة الأولى

وعلى صعيد الإنتاج السينمائي يؤكد الناقد السينمائي ونوس أن سينما نوفو بدأت عام 1955 مع فيلم نيلسون بيريرا دوس سانتوس «ريو 40 درجة»  لكن البداية المتعارف عليها لسينما نوفو في البرازيل وأمريكا اللاتينية عموماً تعود إلى عام 1962 عندما أخرج روشا فيلم «بارافينتو Barravento». لكنْ عالمياً عرفت سينما نوفو في عام 1964 عندما عرض في مهرجان «كان» السينمائي ثلاثة أفلام هي التي أسست لهذه السينما، وهي: «إله أسود وشيطان أبيض» لغلاوبر روشا، و«حياة قاحلة» لنيلسون بيريرا دوس سانتوس، و«غانغا زومبا» لكارلوس دييغيس. قبل عرض هذه الأفلام الثلاثة لم يكن أحد قد سمع بمخرجيها خارج حدود البرازيل. وقد أصبحت هذه الأفلام الثلاثة علامات فارقة، ليس في السينما البرازيلية أو أمريكا اللاتينية فحسب، وإنما في تاريخ السينما العالمية.
وتوقف الناقد عند تجربة غلاوبر روشا، مخرج فيلم «بارافينتو Barravento» حيث تركز على الظروف المعيشية الصعبة التي يمر بها سكان إحدى القرى الذين يعتاشون على صيد السمك. ويظهر المخرج في هذا الفيلم كيف أن الثقافة الشعبية لهؤلاء السكان تزودهم بأدوات دفاعية لمواجهة ممارسات القوى الرأسمالية ونهبها لثرواتهم، كان هذا الفيلم يحتوي على الكثير من العناصر الموجودة في مجمل أعمال روشا اللاحقة. على سبيل المثال العلاقة الديالكتيكية ما بين التقليد والحداثة، وانتقاد المخرج للمذهب الروحاني الباطني الذي هو جزء من حياة صيادي السمك ومجتمعهم المتخلف. وقد صور هذا الفيلم بأسلوب واقعي جديد تميز به العديد من مخرجي «سينما نوفو». لكن روشا في السنوات اللاحقة عبّر عن استيائه من هذا الفيلم وتنصل من تحمل مسؤوليته لأنه أخذه من مخرج آخر عندما كان في مرحلة التصوير.
ولفت ونوس إلى أن الأفلام التي تلت «بارافينتو» عبرت عن بحث روشا الدؤوب عن سينما خاصة بالمناطق الاستوائية تكون مرادفة للواقعية السحرية لدى كتاب أمريكا اللاتينية مثل غابرييل غارسيا ماركيز وأليخاندرو كاربنتيه.

ثقافة البرازيل

وإذا كان أساس سينما روشا هو ثقافة البرازيل التقليدية فإن التأثيرات الحديثة كانت مهمة أيضاً. أحد هذه التأثيرات كانت الثورة الكوبية التي وجد أنها قدمت مثالاً للتحول الاجتماعي الجذري في أمريكا اللاتينية وأتاحت الإمكانية لولادة صناعة سينمائية كوبية حقيقية. أما التأثير الآخر فكان الموجة الفرنسية الجديدة التي استقى منها روشا مفهوم «المخرج المؤلف». وربما كان هذا المفهوم هو الذي شجعه على التحول من ناقد إلى مخرج. لكن روشا، وكما يقول أحد النقاد «فرّق بوضوح مابين السينما الأوروبية التي عبرت عن الألم الوجودي للعالم النامي والسينما الملحمية التي آمن بقدرتها على التعبير أكثر عن الأزمات الاجتماعية والاقتصادية التي تعيشها دول أمريكا اللاتينية».
ويختم ونوس محاضرته بالتأكيد على ضرورة استفادة المخرجين العرب من تجربة هذه الحركة السينمائية كونها عالجت قضايا ومشكلات اجتماعية وسياسية شبيهة بالقضايا والمشكلات التي نعيشها نحن العرب.
يشار إلى أن الناقد السينمائي والمترجم ناصر ونّوس حاصل على ليسانس في النقد المسرحي من المعهد العالي للفنون المسرحية في دمشق عام 1988، عمل محرراً في قسم الأخبار في تلفزيون «روسيا اليوم» وفي «قناة العالم»، كتب وترجم مئات المقالات في مجالات المسرح والسينما والرواية والنقد الأدبي والنظرية النقدية.
Sna.alyan@gmail.com