تشرين
30/10/2013

الطبيب المناضل عبد الرحمن الشهبندر «1879 ـ 1940»م

قامة تشهد لها دمشق بأنها حمت التراب وصانت اللواء، إنه المناضل الطبيب عبد الرحمن الشهبندر؛ ذاك الدمشقي، بأصالته ومدنيته وعنفوانه، بدعواه الى حماية التراب،

 فهو من قاوم المستعمر بكل أشكاله فكان من الداعين إلى مناهضة الحكم العثماني، وأول من حمل اللواء مع صحبه في بقية المحافظات السورية في مواجهة الاحتلال الفرنسي، ليستمر نضاله الى آخر يوم في حياته ضد كل فكر رجعي وحقق بذلك حظوة الشهادة واعتلى سلم المجد.
ولد الدكتور عبد الرحمن الشهبندر في دمشق سنة 1879 من أسرة سورية عريقة، وتلقى علومه الابتدائية والثانوية في دمشق ثم انتسب إلى الجامعة الأميركية في بيروت وتخرج طبيبا في عام 1904، وبعد تخرجه اختارته الجامعة أستاذا فيها لطلابها وطبيباً في مشفى الجامعة، بعد أربع سنوات عاد الى دمشق وانضم إلى الحلقة الإصلاحية المناهضة للحكم العثماني وعمل على تأسيس جمعيات عربية حرة تدعو إلى الانفصال عن الدولة العثمانية والتي كان يرأسها الشيخ طاهر الجزائري.
وكاد أن يسجن وربما يعدم بسبب هذا الانضمام وبسبب مقال في المقطم المصرية عن خلافة السلطان عبد الحميد الثاني.. وحين اندلعت الحرب العالمية الأولى غادر سورية إلى العراق هرباً من ملاحقة العثمانيين له، ومنه توجه إلى الهند، ثم الى مصر وخلال اقامته فيها تابع نشاطاته السياسية والفكرية وتسلم الاشراف على تحرير جريدة (الكواكب) التي أنشأتها دائرة الاستخبارات البريطانية، وفي عام 1918م عندما اتّضحت له معالم السياسة البريطانية قدم استقالته إلى الجنرال كلايتون وكان أحد السوريين السبعة الذين تقدموا بمذكرة إلى (هوجارت )وجاءهم الرد واشتهر باسم (التصريح إلى السبعة).
عاد إلى سورية عام 1919م ليعين وزيراً عام 1920م وفي هذا يعدّ أول وزير للخارجية في سورية في الحكومة الوطنية التي شكلت في أواخر العهد الفيصلي، وبعد توليه مهامه بشهرين وقعت معركة ميسلون حينها استشهد وزير الدفاع السوري يوسف العظمة ودخل الجيش الفرنسي دمشق فغادرها الشهبندر ليعود إليها بعد عام ويعمل على تنظيم مقاومة ضد الاحتلال الفرنسي.
ألقت السلطات الفرنسية القبض على الشهبندر وحكمت عليه بالسجن عشرين عاماً والنفي إلى بيت الدين في لبنان ثم إلى جزيرة أرواد، وبعد تسعة عشر شهراً صدر عنه حكم العفو، فسافر إلى أوروبا وأميركا قاصداً نشر قضية الوطن والعروبة، وحق الشعوب في حياة حرة وكريمة.
وعندما وجد الوضع ملائماً رجع إلى دمشق سنة 1924 وأسس حزباً سماه (حزب الشعب) ويعدّ من أول الاحزاب السياسية المؤسسة على صعيد الجمهورية السورية الأولى.
في هذه الاثناء كان الحراك الثوري قد بدأ يتشكل في جبل العرب بزعامة سلطان باشا الأطرش بعد ما ذاق أهلها مرارة الظلم، فجرى تنسيق بين حزب الشعب وقوى الأطرش لإشعال الثورة في دمشق بعد أن كانت قد اشتعلت في جبل العرب.
دعم الشهبندر الثورة السورية بكل إمكاناته وطاقاته، ولكن الثورة، بعد سنة من قيامها، بدأت تضعف فانسحب الشهبندر مع سلطان الأطرش ورفاقهما إلى الزرقاء في الأردن. ولما صدر حكم فرنسي بإعدامه ذهب الشهبندر إلى القاهرة حيث بقي أكثر من عشر سنوات، وبعد أن ألغي حكم الإعدام عام 1937 عاد إلى دمشق فاستقبلته الجماهير استقبالاً حافلاً.
وخلال عمل الشهبندر في عيادته في منطقة الشعلان في دمشق اغتيل على يد ثلاثة من المتطرفين بادعاء أن الشهبندر خارج عن الملة، ويجاهر ويدعو الى التحرر بكل اشكاله، وهذا ما كان يدعو اليه في كل مناسباته وكما عرف عنه في كتاباته ومواقفه وداخل أسرته، فهو الذي ناضل لتحرير الفكر ونهضة المجتمع نحو الشكل المدني.
ومن مؤلفاته مجموعة مقالات نشرت في مجلتي المقتطف والهلال جمع بعضها في كتاب بعنوان (القضايا العربية الكبرى)، كما كان الشهبندر يحسن الترجمةعن الانكليزية وقد ترجم كتاب (السياسة الدولية ) لدليزل بورنس، إضافة الى مذكراته... ويذكر التاريخ ان ملابسات قضية اغتياله  أكدت ان المفوض السامي الفرنسي كان المحرض على ذاك الفعل.
وتكريما لعطاءاته وتاريخه الزاخر، تمت تسمية احدى ساحات العاصمة دمشق باسمه، كأثر باق.