تشرين
29/05/2012

«هنا في الحديقة»... مسرحية في كتاب

مبالغة في التجريد لاستعادة الشك والسؤال

بتوقيت الكبار... حدث ذات يوم... (هنا في الحديقة) شخوص مرمزة، كلمات مبطنة، صور أناس نراهم كل يوم من دون معرفة خفاياهم..

إذاً لابد؛ من الحوار والكلمات كي نقترب ونتفاهم أكثر، والمسرح كي نجتمع ونتحرر... وفي محاولة للكشف وتمزيق تلك الحواجز والحجب أخرجت (لواء يازجي) بكرها الأول مسرحية (هنا في الحديقة) الصادرة عن دار ممدوح عدوان للنشر2012.
بزمن 2010 دارت أحداث الكتاب ضمن حديقة من دون عنوان، فيها التقا رجلان هما أنت والآخر.. الكل ولا أحد في الوقت ذاته.. حوارية مغرقة في رمزية تسقط على كل (زمان ومكان) يحمل ذات الجينات.
فصول ثلاثة يحملها الكتاب... ولكل فصل مشهديته التي تتميز بالبساطة والعمق وتجريد للشخوص.. قد تكون بقصد من الكاتبة لإسقاط شخوصها من كل الحوامل التي تغرسها الأسماء.. لتنطلق القصة بين (أ) و(ب) ويلحقهما (ت) في آخر فصول الكتاب.

ضياع

تبدأ أول المشاهد بين (أ .. ب) بطلا القصة، رجلان في مقتبل خريف العمر تبدو عليهما علامات العامة من الناس... (أ) المفكر الأكثر حكمة ودراية و(ب) الفاعل المتميز بالعفوية وحب السؤال.
في محاولة للاقتراب يبدأ الحوار ضمن حديقة يعلوها سكون يوحي بالشك أكثر من الطمأنينة... الاختلاف سيد الموقف بين شخصيتين يجمعهما المكان... (ب) يبحث عن شيء دفنه في الحديقة وأضاعه، و(أ) في محاولة يائسة يخاطبه «إن سمعت لن أقول، وإن قلت فإنك لن تفهم، وإن فهمت فهذا يعني أنه قد فات الأوان لتسمعني»... لكن لا بأس فلا شر من المحاولة (محاولة توسيع الطريق) وفي النهاية لابد من الكلام لذلك يتابع قائلاً: « أفضل الدقة في الحوار، ولاسيما بعد الأقاويل المنتشرة في الجرائد والكتب هنا وهناك عن سوء الفهم وتعدد القراءات»..
(ب).. لا يرى سوى أشجاراً وعائلات ومقاعد، بينما (أ).. يرى الكل وما لا يجوز رؤياه، وهكذا يبدأ البحث عن السر.
في متن الكلام نلحظ علامات استفهام... ومع تتابع الأشياء تنقلب تلك الأمور من كونها مشاعة إلى شخصية، ما يحددها توقيت حدوثها.. وضمن هذه الجدلية يفترض باء «إن ما حدث في الحديقة – إن حدث- يعد أمراً مشاعاً... ملكاً للجميع»، بينما قناعة ألف تقول إن كل شيء هي مسألة وقت «فلو وصلت أبكر بقليل لكان ما حدث وقتها قد حدث أمام ناظري.. كثيرة هي القضايا التي لم يصل أصحابها في الوقت المناسب.. ببساطة هكذا كتب التاريخ» ويحيط الفكرة بمثال «فكر بالحب مثلاً.. إنه ببساطة قصة توقيت مناسب أو غير مناسب». نعم؛ فلكل صورة أكثر من قراءة بحسب موقعها وناظرها وتوقيت حدوثها.. وهكذا رؤيتنا للأشخاص والأحداث.. وعندما تولد المؤامرة (لحظة ولادتها) تكون بدايتها في الأفكار.. هكذا يراها (ألف) (فإما أن تشعر بالمؤامرة أو تصنعها) وهو الذي استبدل معاكسة النساء برجال الأمن من دون أن يعرف أين هم فهم في كل مكان كرد فعل فطري لا إرادي، أما طريقته في المعاكسة فهي الأغرب وهي ببساطة تتجلى بمشيته المنتصبة والفخورة في الحديقة العامة... بينما يرى (باء) أن ما يفعله شيء عادي «أن يمشي الإنسان على قدمه وأن ينظر إلى الأمام وحيث يضع قدمه، وهذا الفعل لا يثير أي قلق...»
معادلة صحيحة
تتجلى المشاهد بشكل أوضح خلال الفصل الثاني... حيث (أ) المسجون بتهمة (شم الوردة) «فعلى المواطن الصالح ألا تصيبه الحساسية عندما يشمّ هذه الورود... والقضايا التافهة -برأيه ليست إلا جرائم خطيرة لم تكتمل».. وهكذا تتم محاكمة (ألف) بـ18 سنة تخفض للنصف لتصبح (ثمانية) بخطأ مطبعي... هذا الحكم يقضيه ألف متجولاً بعد أن اكتظ السجن لم يجدوا له بداً من إطلاقه في السجن الأكبر (المدينة).
يقول (ألف): «علينا ألا نقف عند الصور التقليدية.. التجديد سيد الموقف.. فالسجن سلوك بادئ ذي بدء ومن ثم مكان» وها هو قد أصبح سيد نفسه بعد المحاكمة «الآن بسيطة. أمشي مشيتي.. أشمّ الورود أينما كان.. أقف في الشارع ساهماً أو حتى أرفع نظري وأراقبهم... أقول ما أشاء وأمسك أي كتاب علناً... أستمتع بطعامي إن استطعت وأجلس في الحدائق مطولاً دون أن يقتربوا مني.. لا يمكنهم أن يقوموا بأكثر مما يقومون به الآن.. هم ليسوا أحراراً، عليهم مراقبتي!»
ليقلب السجّان أسيراً والسجين حراً... السجن خلاص والمدينة قيد كبير... بمعادلة مقلوبة صحيحة بالنتائج غريبة بالافتراضات.

تبادل أدوار

لدى الدخول في الفصل الأخير ينضم (ت) إلى المعادلة، وتاء (مخبر)شخص بالعشرينيات من عمره تبدو عليه علامات الإهمال يحمل كيساً بيده.. وبذلك تصبح المعادلة أكثر تعقيداً.
لندخل في مشهدية درامية حيث يحدث نزاع بين (ت وب) بها يهرب الأول تاركاً كيسه وراءه ولتبدأ حوارية بين (ألف وباء) تلخص ما نراه.
ولتنقلب معها مرة أخرى الشخوص خلال المسرحية... في دوران يحسبه القارئ أشبه بتبادل الأدوار.. السجين يصبح مخبراً والمخبر يصبح رجلاً عادياً والرجل العادي يخبئ كيساً (...) في دائرة غير مكتملة.. وفي إيحاء عما يحمله ذاك الكيس يبدأ حوار مبطن من نوع آخر يوحي (ب) لـ (أ) إنها شيء سينفجر دون أن يكترث الأخير قائلاً «كلنا يتعايش مع قنبلة موقوتة بشكل أو بآخر، يبدو وفي حياتك المملة السابقة لم تعرفه بحق وها أنت تواجهه لأول مرة، إنه القلق الكبير الذي يرافق الشك....».
 ليكتمل المشهد في النهاية عبر قصة الكنز المخبأ والمكشوف منذ البداية، في تعقيدات لا تنفك تستدعي الشك الذي يعلو سيداً للمواقف ومبدأ لها...
استدعاء للسؤال والخيال... ومحاكاة للواقع عبر (هنا في الحديقة) عبر صور مختزلة لا تكاد تظهر حتى تختفي من جديد... في محاولة لتأكيد ضرورة الحوار والكشف لإخراج الناس من بقعة الأنا إلى النحن، إلى النور والاجتماع .. وكما يقال «أعطني مسرحا أعطك شعباً عظيماً».

استحضار

وقبل أن نغلق صفحتي الكتاب وعبر سؤال جانبي خلال حفل توقيع الكتاب قالت  الكاتبة يازجي حول ظهور الشخصيات والأحداث بهذا الاختزال:
«صحيح، الشخصيات والأفعال مختزلة جداً، وذلك انعكاساً لقلة حيّز الحركة وقلة الخيارات في الحياة، والضغط الذي تعانيه الشخصيات، وأيضاً لتوضيح منطقها الخاص.. لذلك اعتمدت اللغة الحامل الأساس، وكأن كل ما يستطيعان فعله هو الكلام... بما أن للنوع المسرحي المُختار، العبث، حصة من هذا الاختزال وللرمزية مساحة خاصة، فعلى الرغم من أن ما كُتب كُتب ليقول الأشياء ببساطة، إلا أنها يمكن أن تحمّل بكثير من المهام الرمزية التي تجعل من الحديقة سجناً! أرادت المسرحية أن تستعرض لقاءً قد يبدو اعتباطياً لرجلين يرتادا الحدائق العامة، لكل حكايته المعقدة التي ستتكشف مع مرور الوقت... إنها تلك الحياة التي دفعت بهما إلى ما هما عليه... ولنستحضر السؤال؛ ما هو مفهوم الثقة؟ اليقين والشك؟ الفعل والسكون؟البساطة والتعقيد؟... لتولد الكثير من الأسئلة التي تطرحها الشخصيات في الحوار»
الصور:
  • 11.jpg