24/08/2010

وليد قوتلي «في انتظار البرابرة».. مسرحية شعرية تعيد كتابة كفافيس عبر كوميديا المهرج

يشتغل المخرج المسرحي وليد قوتلي على أطروحته الإبداعية مازجاً بين عدة مستويات من التجريب المسرحي،.

فمنذ منتصف السبعينيات قدم هذا الفنان مع كل من فرقة «المختبر المسرحي» وفرقة «جمهور المسرح الخلاق» عروضاً في غاية المغامرة والبحث عن شكل مغاير لمسرح العلبة الإيطالية، مسرح خارج سلطة الإطار قادر على إزاحة الصياغة القديمة لمسرح الخطابة والمنبرية، مسرح مختلف ومشاكس لايعير اهتماماً للنظرية بقدر مايبحث عن نظريته الخاصة من خلال الاحتفاء بالممثل وتوريطه أكثر فأكثر ضمن شروط العملية المسرحية حيث نشاهد في كل مرة يعود فيها قوتلي إلى دمشق قادماً من مدينة الشارقة نموذجاً جديداً للرفض، رفض أن يموت المسرح السوري، وأن يتقهقر مقابل فورة التلفزيون في بلاد درامية إلى هذا الحد. ‏

الشغف بالقصيدة ‏

يبدو المخرج السوري في عرضه الأخير «في انتظار البرابرة» مأخوذاً بالقصيدة مرة أخرى، مسحوراً بنص الشاعر الاسكندراني «كفافيس» حيث يقدم مخرج العمل مسرحيته الجديدة في إطار فني راقص يدمج من خلاله بين الشعر والغناء إضافة إلى شغله على مناخ غرائبي يتكون من مجاميع الدمى البشرية المتحركة، إضافة للأقنعة والأزياء المسرحية التي يولف من خلالها صاحب العرض بين وجه الممثل وحركته الراقصة ضمن مجاميع متحركة اعتمد فيها العمل على فرقة أجيال للرقص التعبيري.

إن اختيار «قوتلي» لقصيدة كفافيس «في انتظار البرابرة» تعكس معاصرة فنية أراد عبرها تقديم النص الشعري كحامل للصراع المسرحي، ومنتج للفعل على الخشبة، ففن المسرح عند هذا الفنان الأصيل لاينضوي تحت تجربة معينة، بل هو فن مفتوح على خيارات متعددة قوامه المغامرة والتجريب للوصول إلى صياغات إبداعية جديدة. ولذلك جاء انتقاء مخرج العرض لصالة الآرت هاوس ليتمكن من تقديم عرض نابع من رغبته في الخروج من مسرح العلبة بهدف تحقيق أعلى قيمة فنية من قيم التجريب بالاستناد إلى فضاء الأماكن البديلة القادرة على كتابة فنية حديثة ومتمردة على الأشكال والقوالب الجاهزة في فن الخشبة. ‏

الفرجة المسرحية ‏

يأتي الشعر في هذه التجربة من رغبة لدى القوتلي بتطوير الفرجة المسرحية السورية وفق مشروع بدأه مع عرضه الشعري المعنون بـ «عين القمر 2004» حيث أعده عن نصوص شعرية لمحمود درويش وأدونيس، فليس هناك صعوبة في تدجين الشعر مسرحياً، بل النص الشعري هنا قادر على إنتاج حقيقة الصراع المسرحي مضافاً إليه الجسد الراقص أو مايسمى بالمسرح الجسدي الخالص. ‏

نحن هنا أمام صراعات مغايرة عن السائد في العروض التقليدية من خلال جملة من العناصر البصرية والمشهدية قوامها الجسد الراقص بإيحاءاته وإيماءاته المتنوعة حسب الدرامية التي تكتنف القصيدة العربية على وجه الخصوص، ليتبدى في مسرحية «في انتظار البرابرة» طاقة فنية خاصة اكتشفها «القوتلي» بهدف تقديم رؤية معاصرة للمسرح التجريبي في سورية الذي حمل لواءه عدد من المسرحيين السوريين منذ ستينيات القرن الفائت بالشغل على خيارات فنية وضعتهم وجهاً لوجه مع مغامرة الشكل والمضمون، فشعر كفافيس في العرض أتى للدلالة على ضرورة تأكيد مواجهة الذات العربية لمواجهة كل مايحدق بها من أخطار تتمركز في وهم المنقذ الخارجي، البرابرة الذين سيأتون من البعيد ليتولوا عنا إدارة كل شيء، حيث يهمس المخرج في أذن جمهوره: على لسان الشاعر اليوناني الأصل: «لِمَ يبدو فجأة هذا الانزعاج والقلق؟ ويرتسم الجد على الوجوه؟ لماذا تقفر الشوارع والميادين بسرعة؟ ويعود الجميع إلى بيوتهم وقد استبد بهم التفكير؟ لأن الليل قد أقبل ولم يحضر البرابرة، ماذا سنفعل الآن بالبرابرة؟! لقد كان هؤلاء الناس حلاً من الحلول!» ‏

هكذا ومن دون أية مواربة يأخذنا المخرج إلى خزائن هذا النص الشعري مفتتحاً عرضه من الحديقة المقابلة لصالة الآرت هاوس، حيث تبدأ الفرجة من خلال أجساد الدمى المتحركة بوجوهها الكئيبة الممتقعة، وجوه تتحرك عبر غمغمة كلامية، تهتز وتتصاعد لتبلغ بنا صورة هزلية كاريكاتورية لملك يقوده مهرج، شخصيتان يقدمهما صاحب «لعب مع بيكيت» كنسخة هزلية من عالم السيرك، هكذا وبمرح يشوبه الكثير من المرارة يدلنا الحشد المتحرك للدمى والملك وتابعه نحو عمق الصالة، لترتصف وجوه الدمى مرة أخرى في فناء الآرت هاوس، تحت القناطر العالية، وبموازاة الأدراج يمكننا رؤية كرسي الملك المهزوز إلى جانب مضحكه وكاتم أسراره، لتبدأ المغنية «ميس حرب» بأداء آسر واستثنائي لقصيدة كفافيس، أداء يعكس روح التراجيديا التي يصر المخرج على تقديمها عبر كوميديا المهرج الذي قدمه الفنان «زهير بقاعي» بكثير من الحرفية والتبني من أجل توفير مايشبه الوصلات الضاحكة في استفزاز جمهور المسرحية المتحرك، فيلجأ «بقاعي» مرة إلى الأكروبات الراقصة، ومرة إلى التحرش عن عمد بهيبة الجمهور وحياديته، لتستمر «حرب» بترتيل متناغم وواضح النبرة لأصداء كارثة قادمة ولابد منها. ‏

ضد الإعلام الرأسمالي ‏

في هذا العرض أراد «قوتلي» أن يهدينا إلى ثقافة وهم تحاصرنا وتنخر في مخيلتنا الجمعية، ثقافة تريد لنا التمسك بأصداء يروجها الإعلام الرأسمالي عبر آلاته الضخمة، وعبر مؤسساته متعددة الجنسية، ولذلك قدم لنا مشاهد من عرض أزياء لجرائد ممزقة على أجساد راقصي فرقة أجيال، ولهذا أيضاً يقتص أيما اقتصاص من خشونة الخطاب الإعلامي الجديد الذي يريد لنا أن نكون منتظرين مع من ينتظروا وصول البرابرة، ولذلك لايتحاشى «قوتلي» هذا المأزق الأخلاقي في مواجهة الوعي الذي يكونه الإعلام الجديد، بل ينافح عبر مسرحيته الشعرية الإيقاعية عن إبقاء الإنسان كقيمة روحانية ووجدانية في وجه تسليع كل شيء، فهل نتوقع حضور مسرحية قوتلي في مهرجان دمشق المسرحي القادم، لاسيما أن العرض لم تقدم له مديرية المسارح سوى الأمنيات، وهل نتوقع عروضاً سورية جيدة في مهرجان هذا العام خاصة أن هناك أخباراً متضاربة عن فراغ في جدول المديرية حول العروض المحلية المشاركة لدورة هذا العام بعد موسم مسرحي موحل حد الكارثة.. ‏

بطاقة العرض: ‏

عنوان العرض: في انتظار البرابرة عن قصيدة للشاعر الاسكندراني كفافيس. ‏

سينوغرافيا وإخراج وليد قوتلي ‏

غناء ميس حرب ‏

تمثيل رباب مرهج، تاج الدين ضيف الله، زهير بقاعي، ‏

تصميم دمى وأقنعة كل من الفنانين التشكيليين محمد الوهيبي وعاصم الخيال وفادي عبود ‏

أداء رقص جماعي فرقة أجيال بإدارة الفنان باسل حمدان ‏

إضاءة وصوت رائد جمعة، مساعد مخرج رامي عيسى ‏

الصور:
  • cu003.jpg
  • cu003.jpg