24/09/2008

أول مغنية عربية تصل إلى البرلمان.. معلومة بنت الميداح نقلت الفن الموريتاني إلى العالمية

استضافت الأمانة العامة لاحتفالية دمشق عاصمة للثقافة العربية لعام 2008 مؤخراً المغنية الموريتانية معلومة بنت الميداح وقدمت عدة حفلات غنائية في قصر العظم الذي اكتظت حدائقه وساحاته بالجمهور.

معلومة بنت الميداح مغنية وعازفة موسيقية وأول امرأة موريتانية تصل إلى البرلمان، تقول بنت الميداح: ‏

ولدت في جنوب موريتانيا وكبرت في عائلة فنية تمتهن الموسيقا والغناء، حيث تتوزع العائلات والشرائح الاجتماعية على مختلف مجالات الحياة من الاقتصاد والسياسة إلى الثقافة والفنون، فتجد قبائل تخصصت في مسك القرآن والشرع، وأخرى حملت لواء الدفاع، وهناك شريحة اجتماعية احترفت الموسيقا والغناء ويطلق عليهم «الكاون» في اللهجة المحلية. كما توجد شريحة تعمل في الصناعات التقليدية كصناعة السيوف والنعل، وشريحة أخرى ترعى الغنم والإبل، وأخرى تقوم على الخدمات الشاقة وتسمى العبيد. ‏

المجتمع الموريتاني توزع هكذا على مهن وحرف يتوارثها الأبناء عن الأباء في كل قبيلة أو شريحة اجتماعية، وهم يتزاوجون فيما بينهم، فأنا كل أعمامي وأخوالي وأفراد أسرتي من الفنانين، وربما تكون هذه الظاهرة فريدة في المجتمع الموريتاني.

وبالتالي المجتمع الموريتاني يعتبر الشيء الطبيعي أن أكون أنا مغنية، وإذا لم أمارس الغناء فهو لن يرحمني، وحكاية أن موريتانيا دولة إسلامية تواجهنا بالكثير من التحفظات، لكن في المقابل هناك أنصار ومدافعون عن الغناء والموسيقا بصفتهما جزءاً من تراث وثقافة الشعب الموريتاني، ولا يوجد عموماً أي ضير على المرأة التي تغني. ‏

ہ الفضائيات المختلفة تتجاهل المغني الحقيقي وتسوق لغناء استهلاكي ما رأيك؟ ‏

ہہ ظاهرة الأسر الفنية في موريتانيا تحمل طابعاً سلبياً، إذ تكاد هذه الأسر التي احترفت الغناء والموسيقا أن تنقرض أمام غزو الفضائيات المتباينة لمكوناتنا الثقافية، حتى أن الكثيرين من شرائح المجتمع الأخرى باتت لا تعرف شيئاً عن الموسيقا التقليدية، وأبناؤنا لا يعرفون إلا ما تقدمه هذه الفضائيات لهم ومساحة الأسر الموسيقية تنحسر باستمرار. ‏

فإذا عرفنا أن الفنان الشعبي الموريتاني كان يمثل ضمير الأمة كما تقول أو السلطة الرابعة، تعرف أنه كان يتحمل مسؤولية مراقبة ما يجري في المجتمع والتعبير عنه، حين لم يكن لدينا صحافة وإعلام يقومان بذلك. ‏

من هنا كانت الناس تخاف الفنان الشعبي وتخشى سلطته وقدرته على المدح والذم، وبالتالي كانت تسعى لاسترضائه باستمرار، بينما في الدولة الحديثة تغيرت هذه الأمور جذرياً، وحلت الصحافة بشكل أرقى في وظيفة مراقبة المجتمع والتعبير عنه، وعاد المغني الشعبي إلى دائرة الأعراس والاحتفالات والمعارض والمناسبات. ‏

لذلك يبدو تأثير الفضائيات في مجتمعنا أكبر من بقية الدول العربية، لأنها المتحكم الرئيسي في صناعة الذائقة السمعية، وهي التي تفرض علينا وعلى أبنائنا ما نراه أو ما نسمعه، لاسيما في ضوء غياب الدولة عن الاهتمام بالثقافة والفن، والتي ينظر لها باعتبارها من الكماليات. ‏

ہ كمغنية وبرلمانية كيف ترين وضع المرأة في مجتمع تقليدي؟! ‏

ہہ المرأة في المجتمع الموريتاني كانت تمثل في الواقع كل شيء ضمن البيت والأسرة، لأن الرجل غالباً ما يخرج للتجارة أو السفر وعندما يعود للمنزل أو القبيلة يكون مجرد ضيف، وغالباً ما يتزوج في سفراته المتعددة، فيما المرأة هي التي تعمل وتربي أولادها وتصون الأسرة، وهذا جعل من المرأة العنصر الأقوى ضمن الأسر وهي تضع شروطها وتفرض قوانينها. ‏

هذه الحالة وجدت في بدايات المجتمع البدوي، حتى عند التحول إلى مجتمع الدولة الحديثة والمؤسسات، حافظت المرأة على قوتها، وعلى شروطها فالمرأة العربية في موريتانيا ترفض تعدد الزوجات الذي يكاد ينتشر في أغلب الدول العربية والإسلامية، إذ يتيح الشرع للرجل الزواج بأربع نساء، ومع أن الدولة لم تقونن هذه الحالة كما هي في مدونة الأحوال الشخصية في تونس مثلاً، فإن المرأة مازالت تفرض ذلك بقوتها وموقعها ضمن الأسرة. ‏

ما ينقص المرأة الموريتانية هو الاهتمام بالتعليم فقط والمرأة المتعلمة تجد أن كل الأبواب مفتوحة أمامها حتى الوصول إلى الرئاسة فليس أمامها أي حاجز. ‏

ہ هل لنا بلمحة موجزة عن الموسقيا والغناء الشعبي في موريتانيا؟ ‏

ہہ موريتانيا كما تعرف هي ملتقى الثقافات العربية والبربرية والأفريقية، وهذا يمنحها خصوصية واضحة جداً في حقل الموسيقا، لأنك عندما تسمع الموسيقا الموريتانيا تجد أنها متميزة عن كل من عناصر الموسيقا المكونة للثقافات السابقة الذكر، وسوف يلفت انتباهك طريقة آداء المقامات والمواويل وأبيات الشعر العربي على أنغام إفريقية وحتى الموسيقا الإفريقية لدينا لا تشبه نظيرتها في الدول الإفريقية المجاورة، هذه الموسقيا الفريدة يطلق عليها في موريتانيا أو على من يؤديها لفظ «البيضان» لأن هذا المجتمع عربي بسلوكه وثقافته، ويتميز في موسيقاه عن الدول الأخرى، وهذه الموسيقا تأخذ من الإيقاعات الإفريقية والمقامات العربية، حتى أن الموريتاني الفنان أبدع آلات خاصة به مثل «آردين» لا توجد في الدول الإفريقية الأخرى، ولها نظام ومقامات خاصة بها لم تكن موجودة عند بقية الأفارقة. ‏

«البيضان» يتميز بالجملة الموسيقية وطريقة الأداء، حتى أن الشعب الصحراوي الذي تمتد قبائله من الصحراء العربية إلى موريتانيا لم يعرفوا نظام الأسر الموسيقية التقليدية، وبالتالي هم يمتلكون كل ما يدل على خصوصية هذا الشعب إلا الموسيقا التي نجدها في موريتانيا فقط. ‏

ہ كيف تميزت معلومة عن سواها في إطار الغناء الشعبي الموريتاني؟ ‏

ہہ لأنني اشتغلت على تطوير هذا اللون الغنائي، وتطوير الموسيقا اشتغلت على تناسق الأصوات ونظام الجمل مع الحفاظ على المقام الموريتاني والأداء الذي تربيت عليه، لكنني أدرته بشكل خاص. ‏

فأنا فيما قدمته أحافظ على الأصول التي يقوم عليها الغناء الموريتاني، لكني أدخلت عليه شيئاً من موسيقا الميلوز والروك وحتى الموسيقا الإلكترونية، بحيث تبدو مستساغة للمستمع الآخر، لأن الموسيقا التقليدية لدينا صعبة على التلقي من قبل الأذن غير المدربة على سماعها، أي أنني اجتهدت على اللغة والجملة الموسيقية لأفتح الطريق أمام موسيقانا التقليدية باتجاه العالمية. ‏

هذا الموضوع اشتغلت عليه منذ عشرين سنة، ولقيت صعوبات كثيرة واجحافاً من قبل البعض، لكنهم اكتشفوا أخيراً أنني طورت الموسيقا والغناء المحلي دون أن أفقد شخصيتي ودون أن أسعى لتقمص شخصيات الأخرين، بل حافظت على جذوري التقليدية. ‏

ساعدني كثيراً فهمي للموسيقا وتمردي المبكر على المجتمع، إذ كنت أرفض أي تمييز بين الناس، بل كنت أذهب إلى الأحياء الشعبية والفقراء أغني لهم، وكنت أحاول فيما أغني أن أتكلم عن مشاكل الشعب والناس كأغنية «الشعب إتضرر». ‏

ہ هذا الجهد يحتاج إلى مؤسسة أكاديمية؟ ‏

ہہ تربيت في أسرة موسيقية، وكانت أهم من أي أكاديمية، لكنني ثقفت نفسي بشكل شخصي، قرأت النوتة درست الكثير في علم الموسيقا، بل واشتغلت على تطوير الموسيقا التقليدية، وقدمت محاضرات كثيرة في هذا الشأن في موريتانيا وخارجها، وحتى في فرنسا، بكل أسف لا يوجد لدينا مؤسسة تهتم بهذا الموضوع، والدولة غير مهتمة به حتى الآن، وليس لديها برنامج للحفاظ على الموسيقا الموريتانية وتطويرها، وأنا أحاول منذ عامين في البرلمان الموريتاني الحض على تأسيس «كونسر فتوار» لتعليم الموسيقا التقليدية، وتوثيقها بالوقت نفسه، والحفاظ على هذا الإرث من الضياع، لاسيما في ظل تراجع وانحسار الأسر الموسيقية التقليدية في مجتمعنا، فتلك الموسيقا أغلبها غير مدون أو مسجل، وهناك ثلاثة مقامات محلية لا يوجد الآن أي مغن يشتغل عليها، ولا يوجد أي تسجيل لها في الإذاعة أو التلفزيون، وهي مقامات «الفايز ـ الزراك ـ المصري» لذلك حاولت تضمين شيىء من هذه المقامات في كل أعمالي التي قدمتها بهدف الحفاظ عليها. ‏

الصور:
  • cu003.jpg
  • cu003.jpg