خيارات الطباعة:



تشرين
21/11/2015

كي لا ننسى «سيفو».. في ذكرى الإبادة السريانية توماس أوسيل يطلق رائعته السيمفونية من سورية

حين تكون الشهادة ملحاً للأرض ونوراً للعالم فيها وعندها تصبح المأساة ضياءً ينير المسكونة بوهجه ويصبح دويّها موسيقا عذبة تتغلغل في ثنايا الروح،


تنشر في العالم مفاهيم العدالة والتواصل والرحمة.. ومن دمشق ينطلق ذلك الدويُّ معلناً أن سورية كانت وستبقى منبراً للحق ومنارة للحضارة والإنسانية، لا تنسى أبناءها وتكرم شهداءها وستبقى نابضة بالحياة رغم ما تعانيه من آلام، وستبقى ذكرى مجزرة «سيفو» التي أُبيد فيها أكثر من نصف مليون إنسان مسالم حافزاً للمزيد من الرقي والتطور والفكر والحضارة لكل من أحب وطنه وأخلص له.

من هنا ألّف الموسيقي السرياني النمساوي «توماس أوسيل» السوري الأصل رائعته الموسيقية السمفونية التي سماها «سيفو» كتبها خصيصاً لمناسبة إحياء الذكرى المئوية الأولى للإبادة السريانية وأطلقها للمرة الأولى من سورية في أمسية استضافها مسرح الأوبرا تحت رعاية قداسة البطريرك مار إغناطيوس أفرام الثاني بطريرك أنطاكية وسائر المشرق والرئيس الأعلى للكنيسة السريانية الأرثوذكسية في العالم، وأقامتها البطريركية بالتعاون مع وزارة الثقافة والهيئة العامة لدار الأسد للثقافة والفنون في دمشق، وقدمتها الفرقة السيمفونية الوطنية السورية بقيادة المايسترو أندريه معلولي وزينتها جوقة مار أفرام السرياني البطريركية وبمشاركة كادر تقني وتنظيمي كبير بإشراف فني من المؤلف الموسيقي شادي إميل سروة.
ألّف توماس أوسيل العديد من السيمفونيات و أسس لجنة الشباب التطوعي في بعض كنائس فيينا. وقد خصّ سورية بهذا العمل السيمفوني لتكون انطلاقته منها إلى أرجاء العالم ليصف فيه فظاعة الإبادة التي ارتكبها العثمانيون خلال الحرب العالمية الأولى وهو المتحدر من عائلة سريانية قطنت المنطقة الواقعة بين سورية وتركيا والعراق فكانت معنية مع أصدقائها بهذه المأساة التاريخية، فاستطاع أن يعبّر من خلال موسيقاه بشغف وألم عما عاناه أترابه الآراميون ويعطي لمسة شخصية تترك أثراً في المستمع، عدا عن لفتة النظر إلى أهمية العدالة بين الشعوب والاعتراف بحقوقها وإجلال التفاهم لتتواصل وتتطور.
يقول توماس عن سيمفونيته وحركاتها الثلاث: إنه بعد الافتتاحية وفي بداية الحركة الأولى تعبر الموسيقا عن روتين وجمال حياة الشعب السرياني، وعن براءته وجهله للمصير القاسي الذي يتحضّر له، بينما تتقدم المشاهد الموسيقية ببطء نحو هجمات العثمانيين الذين يجوبون القرى السريانية التي يدمرونها بفظاعة ويقتلون الأطفال والشيوخ معلنة بدء الإبادة. ثم تأتي الحركة الثانية بمقاطعها الموسيقية كلها لتصف الدمار والاستسلام والشعب المقتول الملقى في الحقول في كل مكان، لكن الشيء الوحيد الذي يملكه الشعب السرياني والذي لا يمكن لأحد أن ينزعه منه هو إيمانه بالله, وهذا هو السبب الذي جعلني أدخل الصلاة الربانية السريانية (أبون دبشمايو) ثلاث مرات في ثلاث قطع موسيقية مختلفة. ويشير الرقم (ثلاثة) من خلال هذه الصلاة إلى الثالوث الأقدس ومحبة الله للبشر فلا يفقد السريان الأمل والرجاء بل يقومون ولا يستسلمون ويعرفون أن الله سيساعدهم في زمن المحنة والشدة.. وهنا يقوم الشعب السرياني ويتابع ويبني حياته الجديدة في الحركة الثالثة للسيمفونية فبعضهم يلجأ إلى أوروبا وبعضهم الآخر يبقى في البلد الأم وتكون الموسيقا بطولية خاصة في النهاية حيث الرقص وحركة التقدم إلى الأمام, وبقوة الأفكار والمشاعر تعود (سيفو) إلى الأذهان لأنه لايمكن نسيانها, إنها تؤلم حتى اليوم, حتى في أيامنا, (سيفو) ليست طيّ التاريخ إنها في الحاضر وتتكرر في سورية.. لكن السريان قاموا وعملوا ضدها عالمياً وسيسمع الجميع صوتهم حتى يعترف بالإبادة عالمياً.
رافق السيمفونية التي عزفتها الفرقة السيمفونية الوطنية السورية بمشاركة مؤلفها وقيادة المايسترو أندريه معلولي عرض مشاهد بصرية توثيقية للإبادة.
كما رافقت الفرقة السيمفونية  جوقة مار أفرام السرياني البطريركية في تقديم باقات من الليتورجيا السريانية على مقامي البيات والحجاز تحكي عن الشهداء والشهادة, وزّعها موسيقياً عدنان فتح الله وكمال سكيكر وإدوار طوركيان.
كما قُدّم عملان جديدان غنائيان كتبا للمناسبة، الأول: قصيدة «أطياف النقاء» كلمات الشماس طوني يعقوب وألحان شادي إميل سروة وتوزيع إدوار طوركيان والثاني: «حروف من نور» كلمات وألحان قائد الجوقة شادي إميل سروة وتوزيع فادي مارديني، ويعرض هذا العمل بأسلوب غنائي قساوة الأحداث الدامية التي طالت الشعب السرياني ويذكر مؤلفها من خلالها الضمير الإنساني الذي يحتم علينا أن نتذكر تلك الأحداث لا من باب الحقد بل من باب الوفاء للأبرياء الذين سقطوا وآلاف الذين اقتلعوا من أرضهم.. شارك في الحفل خمسة وأربعون عضواً من أعضاء الجوقة الذين أدوا التراتيل والأناشيد والأعمال الغنائية بروح واحدة موزعين على الـ (آلتو، سوبرانوا، باص، تينور).
يذكر أن احتفالية الذكرى المئوية الأولى للإبادة السريانية (1915-2015)م كانت قد أُطلقت في قداس احتفالي في كاتدرائية مار جرجس البطريركية للسريان الأرثوذكس في باب توما بدمشق مقر الكرسي البطريركي تحت رعاية قداسة البطريرك مار إغناطيوس أفرام الثاني في بداية هذا العام وتحت شعار (كي لا ننسى..) فأخذت الكنيسة على عاتقها من هذه الاحتفالية إيصال رسالة إلى  كل من عدّ أن الشعب السرياني لم يمُتْ ولم يُهزم ويأبى أن يستسلم للعار والذل والقتل بل يريد الحياة ويحيا، على حد قول قداسة البطريرك وأضاف: إن الهدف منها ليس التعبير عن أي حقد أو كراهية بل إظهار إخلاصنا لذكرى شهدائنا في الماضي والحاضر وتذكير أنفسنا والأجيال القادمة بفظاعة ما حصل لئلا يتعرض شعبنا أو أي شعب آخر لأمر مماثل وستبقى رسالتنا واضحة بأننا متمسكون بأرضنا ولن نتركها ونقولها علانية من دمشق عاصمة التاريخ.
كما تم تزامناً مع إعلان الاحتفالية إطلاق شعار وهو عبارة عن سيف – السيف الذي ذهب ضحيته أكثر من نصف مليون سرياني وينكسر عندما يلتقي بالصليب الذي لُوِّن بالأحمر دلالة على الشهادة بالدم أو الموت وعليه سنة المجازر (1915)، ومن نقطة التقاء السيف بالصليب تنبت سنبلة إشارة إلى  الحياة التي استمرت للشعب السرياني رغم المجازر، أما الشمس المشرقة فهي الفجر الجديد الذي انجلى للسريان بعد المذابح في منطقتهم والمناطق المجاورة والمهجر، وأسفل الشعار كلمة (سيفو) باللغة السريانية وهي السيف كما أصدرت البطريركية كتاباً خاصاً عن المذابح حمل عنوان (الإبادة الجماعية للسريان سيفو 1915-2015» وبثلاث لغات: السريانية والعربية والإنكليزية منتصف العام الحالي تزامناً مع انعقاد المجمع المقدس كرسي قداسته مذبح شهداء الإبادة السريانية في دير مار أفرام السرياني في معرة صيدنايا بريف دمشق إضافة إلى  نصب تذكاري هناك وفي دمشق افتتح قداسته حديقة شهداء السريان التي خصصتها محافظة دمشق مشكورة لإطلاق تسمية (الشهداء السريان) بدلاً من الاسم العثماني القديم (حديقة القشلة) في أحد أحياء دمشق القديمة.