خيارات الطباعة:




26/12/2010

فولني يصف حلب عام 1783..عندما كانت أجمل مدن الإمبراطورية العثمانية

تعد رحلة فولني إلى سورية ومصر خلال الأعوام 1783 و1785 رحلة مفصلية في تاريخ المنطقة فهي التي أسست بعد سنوات لمشروع نابليون بونابرت باجتياح مصر وسورية وصولاً إلى القسطنطينية (اسطنبول)، وهو المشروع الاستعماري الغربي في العصر الحديث.


وفولني الذي وضع أخبار رحلاته في كتاب صدر قبل الثورة الفرنسية بعدة أعوام 1787 هو مستشرق واثنولوجي فرنسي اسمه الكامل (قسطنطين فرانسوا شاسبوف دي لاجيرودي) كونت فولني، والمعروف اختصار باسم (فولني) ولد في 1757 وتوفي في 1820، وكانت لفولني علاقة غريبة مع نابليون بونابرت الذي اعترف أن مقالات فولني وكتابه (رحلة إلى مصر وسورية في السنوات 1783-1785) هي التي ولدت في رأسه فكرة غزو مصر وسورية، ويقول فولني في مقال لاحق إنه هو صاحب فكرة الوصول إلى القسطنطينية عن طريق سورية، على أية حال استمرت العلاقة بين الاثنين حتى حصل انقلاب التاسع من تشرين الثاني 1799 بقيادة نابليون فعرض على فولني وزارة الداخلية ولكنه رفض وفضل أن يظل سيناتورا فوق العادة. ‏

تضمنت أخبار رحلة فولني التي ترجمها من طبعتها الأولى الصادرة عام 1787 الباحث عارف أبو يوسف وستصدر عن دار التكوين في الفترة القادمة، معلومات تفصيلية عن ولايات سورية في نهاية القرن الثامن عشر حيث كانت الإمبراطورية العثمانية تعيش حالة من التسيب والفوضى، مهداً للدول الغربية ببسط سيطرتها على المنطقة فيما بعد، وقدم أوصافاً علمية ومهمة عن أوضاع سورية في ذلك الزمن الخطير، ولذلك تعد هذه الرحلة مرجعاً أساسياً لمن كتب تاريخ سورية (بلاد الشام) في ذلك الوقت. ‏

هنا مقتطفات من رحلة فولني وتتعلق تحديداً بولاية حلب التي زارها عام 1783. ‏

مقتطفات من الرحلة ‏

التقسيم الإداري العثماني لسورية ‏

بعد قيام السلطان سليم الأول بانتزاع سورية من يد المماليك، قام بإرساء نظام الولاة (الباشاوات) في سورية، كما في مجمل الإمبراطورية العثمانية، وكان الباشا الوالي مزودا بصلاحيات مطلقة لا حدود لها ليضمن له طاعة الرعية، ويسهل له الحكم، وكانت البلاد قد قسمت حسب هذا النظام إلى خمس ولايات، ولا يزال هذا التقسيم ساريا إلى أيامنا هذه، وهذه الولايات هي أولا ولاية حلب، ثانيا ولاية طرابلس، ثالثا ولاية صيدا التي انتقلت إلى عكا لاحقا، رابعا ولاية دمشق، خامسا وأخيرا ولاية فلسطين وكان مقرها ينتقل بين غزة والقدس، منذ عهد سليم الأول لم تتوقف هذه الولايات عن التبدل والتغير ولكن بشكل عام بقيت على حالها، من المفيد أن نسجل بعض الملاحظات التفصيلية عن حالة هذه الولايات في وقتنا الراهن، مثل ريعها ومنتجاتها قوتها العسكرية والأماكن الأثرية فيها. ‏

ولاية حلب ‏

تضم ولاية حلب الأراضي الممتدة من نهر الفرات إلى البحر الأبيض المتوسط، وتمتد بين خطين متوازيين الأول هو الخط الوهمي الممتد من اسكندرونة إلى (البيرة) والخط الثاني يمتد من (بيلا) إلى البحر الأبيض المتوسط مرورا بالمعرة وجسر الشاغور، وتتكون مساحة الولاية من سهلين كبيرين، سهل أنطاكية في الغرب، وسهل حلب في الشرق، جهتي الشمال وشاطىء البحر تشغلها جبال متوسطة الارتفاع، وقد كان يطلق عليها قديما اسمي (أمانوس وروسوس)، طبيعة الأرض في هذه الولاية غنية وطينية، تغطيها أعشاب طويلة ونباتات غنية بعد موسم الأمطار، ورغم الخصوبة الظاهرة في الأرض إلا أننا نلاحظ خلوها من أشجار الفاكهة تقريبا، القسم الأعظم من أراضي الولاية مستغلة، في محيط القرى والمدن نجد زراعات الحنطة والشعير والقطن الذي يُزرع بشكل خاص في السهول. في الجبال يفضلون زراعة الكرمة، والتوت والزيتون والتين، أما الشريط الساحلي فُيزرع فيه التبغ، وفي حلب نجد بشكل خاص أشجار الفستق، هذا عدا عن المراعي الوفيرة المتروكة للبدو من الكرد والتركمان. ‏

في ولاية حلب، كما في معظم الولايات فإن الباشا حسب السلطة الممنوحة له، هو الوالي أي نائب السلطان وهو كذلك الحاكم العام للبلاد ومع ذلك فإن الباب العالي يعين عليه (تحصلدار) أو كاتبا وهو المسؤول عن متابعة الحسابات بشكل يومي. ‏

وكان الباب العالي يمنح الوالي فرمانا لمدة عام واحد فقط قابل للتجديد، والسعر الحالي لمنصب الوالي هو ثمانمئة صرة أي ما يعادل مليون فرنك من نقودنا (الفرنسية)، ويجب إضافة ما بين ثمانين ألف إلى مئة ألف فرنك لما يسمى بـ(حق البابوج) أي الرشوة التي تدفع للوزير ولبعض المتنفذين في الباب العالي، وفي مقابل هذين المبلغين يحصل الوالي على كل حقوق الولاية وهي: ‏

أولاً: حق الجمرك على البضائع الواردة والصادرة من أوروبا والهند والقسطنطينية، وعلى البضائع التي تصدرها البلاد على سبيل المبادلة أو المقايضة. ‏

ثانياً: حق العبور على القطعان التي يوردها الأكراد والتركمان من أرمينية وديار بكر لبيعها في سورية. ‏

ثالثاً: الخمس من واردات ملاّحات الجبول. ‏

رابعاً: المال ميري أو الضريبة المفروضة على الأراضي والمحاصيل. ‏

وهذه المداخيل مجتمعة يمكنها أن تصل إلى خمست أو ست عشرة مئة ألف (مليون ونصف أو مليون وستمئة الف) من الجنيهات. ‏

عدا هذه المداخيل المربحة فإن الراتب الفعلي المقطوع للباشا يقدر بـ(80 الفا بسيتار أي ما يعادل 200 ألف جنيه) فقط، مع العلم أن جميع هذه المداخيل لا تكفي لمصروفات الباشا، حيث يجب عليه الإنفاق على القطعات العسكرية التي لديه، كذلك يجب عليه تأمين وإصلاح الطرق، والقلاع التي تحت مسؤوليته، ويجب أن يعلن عن تمام الجهوزية دائما أمام وزراء الباب العالي، حتى يحافظ على مكانه، ولكن الباب العالي لا ينسى أن يحسب الضريبة المفروضة على الرعاة التركمان والأكراد، وكذلك الجزية المفروضة على القرى والخواص. ‏

عبدي باشا والي حلب ‏

(عبدي) باشا، الذي يحكم منذ اثني عشر أو ثلاثة عشر عاماً، استطاع أن يجبي خلال خمسة عشر شهراً أربعة عشر مليوناً من الجنيهات، عندما فرض ما يشبه الخاوة على جميع أصحاب الصنائع حتى من يقومون بتنظيف غلايين التدخين! ‏

منذ أشهر قام آخر بعمل الشيء نفسه الذي قام به عبدي فتم طرده؟! الأول أي عبدي تمت مكافأته بقيادة أحد الجيوش في الجبهة الروسية، ولكن لو ظل هذا الأخير فقيراً فسيتم شنقه بتهمة الرشوة؟!، كذا تسير الأمور هنا. ‏

نظرياً يتم تكليف الباشا لمدة ثلاثة أشهر، قد تمدد لستة أشهر، وأحيانا سنة كاملة، وهو مكلف بحفظ الأمن والأمان والدفاع عن الدولة ضد أي عدو داخلي كان أم خارجي، ولهذه المهمة فإنه في الغالب يمتلك تحت يده ما بين ستمئة إلى سبعمئة فارس، ونفس العدد تقريبا من المشاة، وعدا عن هؤلاء فإن الباشا من حقه أن يمتلك فرق من (الانكشارية) وهم نوع من الميليشيات المحلية، كما هي الحالة العسكرية في مجمل أنحاء سورية، وفي هذا الخصوص سنقول كلمتين: ‏

الانكشارية ‏

الانكشارية الذين تكلمت عنهم سابقا منتشرون في كل ولاية من ولايات سورية، وهم عدد من الرجال المنظمين والجاهزين للتحرك في أي اتجاه حسب الطلب، وبما أن الانتماء للانكشارية يعتبر نوعا من الامتياز والإعفاءات الضريبية وخلافه، فهذا يوجد تنافساً قوياً في الانتماء لفرقها، وقديما هذه الفرقة التي كانت تحظى بتدريب وانضباط جيدين، أما الآن فإنها - بل ومنذ ستين إلى ثمانين عاماً مضت- صارت مضرباً للمثل في التسيب حتى لم يبق شيئا من مجدها الغابر، فأعضاء الانكشارية الآن هم من الصنايعية والمزارعين وأحدهما أجهل من الآخر وأقل انصياعاً. ‏

عندما يحاول الباشا تجاوزهم أو تجاهلهم فإنهم أول من يتمردون عليه، مؤخرا قاموا بطرد والي حلب عبدي باشا، فما كان من الباب العالي إلا أن أرسل واليا آخر. إنهم يثأرون بخنق كل من يعارضهم أو يتمرد عليهم، ولكن في أول فرصة يجعلون عليهم قادة جدد وهكذا تتابع الأمور سيرها على هذا المنوال. ‏

الباشاوات الذين كانوا دائما يخشون معارضة الانكشارية المحلية، أو تمردهما عليهم صاروا يعتمدون على فرق جديدة من الانكشارية الأغراب الذين ليس لهم في البلد أهل أو عائلة أو أصدقاء، وهؤلاء الجنود على نوعين، الفرسان، والمشاة، الفرسان هم الذين يمكن اعتبارهم رجال حرب ويسمون (الدالاتية) أو (اللاوند) ونطلق عليهم نحن اسم (ليفنتي) أي الشرقيون. ‏

تسليحهم: السيف القصير، الطبنجة، البندقية، والرمح، قبعاتهم مخروطية الشكل سوداء اللون ولا حواف بارزة لها، وهي غير عملية أبداً فقد تحجب الرؤية أثناء الحركة، أو تنحسر عن الرأس الحليق! ‏

سروج خيولهم مصنوعة على الطريقة الإنكليزية من جلد واحد مشدود على (شاصي) من خشب، وهي ليست عملية أيضاً مثل قبعاتهم حتى أن الفارس يحتاج للمساعدة للركوب، بالنسبة لبقية العتاد والرداء فهؤلاء الفرسان يشبهون المماليك، ولكنهم أقل من المماليك عناية، بأرديتهم الممزقة، وأسلحتهم الصدئة، وخيولهم المتنافرة الأحجام والألوان، حيث يخيل إلينا أنهم جماعة من المرتزقة قاطعي الطرق أكثر منهم جنوداً. ‏

جميعهم ابتدؤوا بمهنة واحدة، وعندما بدؤوا يعملون في المهنة الثانية لم يتغيروا، إن أغلب الفرسان اللاوند في سورية هم من التركمان والأكراد والقرمان الذين بعد أن مارسوا مهنة اللصوصية في بلادهم جاؤوا يطلبون الحماية في ظلال الباشوات ويقدمون لهم خدماتهم. ‏

في مجمل أرجاء الإمبراطورية، هذه الفرقة كانت تتكون من قطاع الطرق الذين ينتقلون من مكان لآخر، وبسبب عدم الانضباط فإنهم يحتفظون بتربيتهم الأولى وعاداتهم، فهم يشكلون البلاء الأعظم على الأرياف، وعلى الفلاحين الذين (يشلحونهم) في وضح النهار. ‏

المشاة، هم فئة دنيا، وفيما مضى كان يتم تجنيدهم بالقوة من أهل البلد، ولكن منذ نصف قرن تقريباً بدأ الفلاحون من ممالك تونس والجزائر والمغرب بالقدوم إلى مصر وسورية للبحث عما لا يمكن لهم الحصول عليه في بلادهم (الوجاهة) وهم المحرومون منها في بلادهم، وهم وحدهم - ويعرفون في سورية باسم المغاربة – يشكلون بطانة الباشا وحرسه الخاص، ولو نظرنا إلى الأمر لوجدناه عجباً، فبطانة الأتراك في سورية ومصر هم من المغاربة، وبطانة المغاربة في بلادهم من الأتراك! ‏

ولا يوجد من هو أخف حملاً وحركة من هؤلاء المشاة، فجل عتادهم: بندقية صدئة، وحربة طويلة، وكيس من جلد، أما لباسهم فقميص من قطن فوق سروال، وطاقية حمراء صغيرة، وفي بعض الأحيان خفا في القدمين! ‏

في كل شهر يتقاضى الفرد منهم خمس (بستار) أي ما يعادل 12 ليرة، وبهذا المبلغ عليهم أن يتدبروا تسليحهم ولباسهم، أما معاشهم فمن حساب الباشا؟! ‏

يتقاضى الفرسان ضعف راتب المشاة، كما يتم تزويدهم بعليق لخيولهم بشكل يومي (حمل من التبن وخمسة أرطال من الشعير). ‏

هذه الوحدات يتم تقسيمها على النظام (التتري) القديم، أي نظام البيارق، حيث كل بيرق ينضوي تحته عشر أفراد، ولكن من النادر أن نجد التزاما بهذا التقسيم، والسبب أن الأغوات (قادة العشرات) مجبرون على دفع رواتب من هم تحت إمرتهم، ولأن الآغوات يفضلون الاستئثار لأنفسهم بمرتبات جندهم فإنهم يغضون الطرف عن أعمال فرض الخاوات والسلب والنهب التي يمارسها هؤلاء الجنود. ‏

وبهذه الفوضى العارمة لنظام الإدارة، فإن جميع ولايات الإمبراطورية أصبحت في حالة إفلاس، بالنسبة لولاية حلب على وجه الخصوص والتي كانت تضم حسب تسجيلات الدفتر (السجلات) ثلاثة آلاف ومئتي قرية، فإنها اليوم لا تضم بالكاد سوى أربعمئة قرية؟! ‏

تُجارنا الذين صار لهم عشرين سنة في هذه المدينة شاهدوا بأنفسهم كيف أن أغلب ضواحي حلب بدأت تفرغ من سكانها، أما الرحالة فإنهم يتحدثون عن منازل مهدمة، خزانات ماء مدمرة، حقول مهجورة تركها الفلاحون وذهبوا إلى المدينة حيث ذابوا بين سكانها ولم يعودوا فلاحين! ‏

تتكون ولاية حلب ‏

من المدن التالية: ‏

مدينة حلب، عاصمة الولاية، ومقر الباشا، وهي تقع في السهل العظيم الممتد من العاصي إلى الفرات، والذي يمتد في الوسط إلى حدود الصحراء، أرض حلب فهي خصبة وغنية ويمر فيها نهير صغير عذب الماء، لا ينضب، وينبع من جبال عينتاب وينتهي جنوب حلب في سبخة مليئة بالخنازير البرية وطيور البجع، عندما يقترب النهر من حلب فإن ضفتيه -بدل الصخور الجرداء التي تسيطر على القسم الأعلى منه- تكتسي بتربة خصبة مزروعة بحدائق الفاكهة المتنوعة التي تعتبر في هنا من لذائذ الحياة. ‏

أما مدينة حلب في حد ذاتها فتعتبر من أجمل مدن سورية، وعلى الأغلب هي أيضا الأكثر نظافة وتنظيما في مجمل أنحاء الإمبراطورية. ‏

من أي جهة أتيتها حشد مآذنها وقبابها شديدة البياض -على خلفية السهل ذو اللون البني الرتيب- تخطف الأبصار، وفي الوسط ما يشبه التل تتوجه قلعة خربة، من هنا من فوق القلعة يمكن أن نلقي نظرة شاملة على المدينة، نرى في الشمال جبل بيلان الثلجي البياض، في الغرب السلسلة الجبلية التي تفصل حوض نهر العاصي عن البحر، أما في الشرق والجنوب فيمتد النظر حتى الفرات. ‏

مرة قامت هذه القلعة بصد الغزاة لعدة شهور ولم تسقط إلا عن طريق الخيانة، أما اليوم فإنها لا تصمد لضربة كف، جدرانها نحيلة، مهترئة، وبلا دعامات، أما أبراجها القديمة فهي ليست بأحسن حالاً، بالكاد يوجد أربعة مدافع صالحة للاستعمال، عدا عن قاذفة بطول تسعة أقدام، وهي التي كانت قذائفها تنهمر على رؤوس الفرس في حصار البصرة [حوالي عام 1743]. ‏

350 انكشارياً كان من المفترض أن يرابطوا في القلعة ولكنهم منشغلون بدكاكينهم، والآغا نفسه لا يجد مكاناً لمبيت رجاله، ومن العجيب أن هذا الآغا قد جرت تسميته من الباب العالي شخصياً، والسبب هو الشك الدائم لدى الباب لهذا يسعى إلى التقسيم ما أمكن ليسهل عليه السيطرة! ‏

القلعة، فيما مضى كانت مزودة بقناة ماء تجري تحت الأرض وتجلب لها الماء العذب من ينبوع على مسافة عدة مراحل. محيط المدينة مزروع بأحجار كبيرة مربعة على شكل عمامة من حجر وهذه هي الأشكال المميزة للقبور، الأرض مرتفعة قليلاً وهذا في حالات الحصار يجعل التقدم والاقتراب سهلا جداً، وبعدها نرى قبور الدراويش حيث التحكم في قناة الماء. ‏

حلب، من الناحية العسكرية مدينة لا يعتد بأمرها، مع العلم أنها مفتاح سورية الشمالي، ولكن كمدينة تجارية فلها أهمية كبرى في المنطقة، فهي مستودع لكل أرمينية وديار بكر، وترسل القوافل إلى بغداد، ولها صلات مع فارس والهند عن طريق ميناء البصرة، ومع مصر ومكة عن طريق دمشق، ومع أوروبا عن طريق اسكندرونة واللاذقية، وتجارتها تعتمد في الغالب الأعم على التبادل. ‏

المواد الأساسية في تجارة حلب هي: القطن، في حالتيه الطبيعية أو النسيج، حيث يتم نسجه في القرى، أما في المدينة فنجد مناسج الحرير، والنحاس، والصوف، ونسيج من شعر الماعز الأضني، والبندق الكردستاني، وبضائع الهند مثل (الشالات)، والموسلين، وأخيرا فستق حلب المحلي، أما من أوروبا فتستورد: المناشف والنيلة والسكر وبعض أنواع البهارات، ومن أمريكا تستورد القهوة رغم منع استيرادها بشكل رسمي لمنافستها (الموكا- البن اليمني) وعملياً فإن استيرادها يتم لغرض خلطها مع القهوة العربية. ‏

يمتلك الفرنسيون في حلب قنصلية وسبع شركات، الإنكليز والبنادقة لهم شركتان، واللوفرنيون والهولنديون شركة واحدة، عندما قام الإمبراطور بافتتاح قنصلية حلب في العام 1784 انتدب لها أحد التجار اليهود الأغنياء فكان هذا الأخير مضطرا لأن يحلق لحيته لكي يستلم الرداء الرسمي ويتقلد السيف، وقد قام الروس مؤخرا بافتتاح قنصلية لهم في حلب. ‏

لا يتفوق على حلب في الاتساع سوى القسطنطينية والقاهرة وربما إزمير إلى حد ما، يبلغ عدد سكانها حوالي 200 ألف نسمة، وحول هذا الموضوع، أي عدد السكان، ليس سهلاً أن نتفق، مع العلم أن هذه المدينة ليست أكبر من (نانت أو مرسيليا)، ومع العلم أن البيوت هنا مؤلفة من طابق واحد، فإننا سنجد بالفعل أننا لن نحصي أكثر من مئة ألف نسمة، السكان المسلمون والمسيحيون في حلب يعتبرون من الأكثر تحضرا في مجمل (الإمبراطورية العثمانية)، التجار الأوروبيون لا يتمتعون في أي مكان آخر سوى في حلب بهذه الحرية والاحترام من الناس. ‏

الهواء في حلب جاف جداً ونشط، ومع ذلك فهو صحي جداً ومفيد لمن لم يكن لديه صدراً ضعيفاً، ومع هذا فإن المدينة وضواحيها كانت ضحية لوباء يسمى القوباء أو (الحبة الحلبية)، وهي تبدأ ببثور ملتهبة في منطقة الوجه، ثم تتحول إلى قرح بحجم الظفر، وتمتد مدة هذه البثور في حالة التقرح إلى ما يقارب العام، وتترك بعدها آثارا لا تمحى في الوجه، وهي من العلامات الفارقة في وجوه سكان حلب، ويعتقد أن أي أجبني يقيم في حلب أكثر من ثلاثة أشهر فإنه سيصاب بالتأكيد، والخبرة أفادت أن أفضل علاج لهذا المرض هو لا نفعل شيئا، ولا نعرف أي سبب لهذه الآفة، ولكني أعتقد أنه بسبب نوعية الماء لأن هذه الآفة تنتشر حتى ديار بكر وفي بعض قرى ولاية دمشق حيث تتشابه نوعية الماء والأرض مع أرض وماء حلب. ‏

الحمام الزاجل ‏

جميع الناس سمعوا أحاديث عن (حمام حلب) الذي يستخدم في البريد والنقل الجوي لبغداد واسكندرونة وهذه ليست أسطورة ولكن توقف العمل بها منذ ثلاثين إلى أربعين عاما، لأن اللصوص الأكراد صاروا يقتنصون هذه الحمائم، والطريقة الحلبية في استخدام الحمام هي التالية ما إن يقوم زوج من الحمام بالتفريخ حتى يرفعان عن صغارهما وينقلان على ظهر حصان إلى المكان المراد مع مراعاة عدم تغطية الأقفاص لترك حرية النظر للطيور، وعند الوصول إلى المكان المطلوب يتم ربط ورقة على ساق الحمامة وإطلاقها، فيقوم هذا الحمام المتشوق إلى صغاره بالطيران بأقصى سرعة ليعود إلى عشه، فيصل في ظرف عشر ساعات من اسكندرونة إلى حلب، ومن بغداد إلى حلب في يومين فقط، وهكذا فطريق العودة يكون سهلا له لأن حلب تُرى من مسافات بعيدة، أما في الشكل فشكل حمام حلب لا يختلف كثيرا عن أنواع الحمام المعروفة إلا أن فتحتي الأنف اللتين بدلا من أن تكونا ملساوتين ومتحدتين فإنهما منتفختين ومنفصلتين، هذه الخاصية لحلب -أنها تُرى من مسافات بعيدة- جلبت إليها الطيور من البحر لتقدم في سمائها مهرجاناً ممتعاً إذا صعدنا إلى سطح البيت بعد الغداء وقمنا بإلقاء قطع الخبز في الهواء فسنرى بعد قليل أعدادا كبيرة من هذه الطيور، في البداية لا نرى أي منها حيث تكون تحوم في السماء على ارتفاعات عالية ولكن ما إن ترى حركة إلقاء الخبز حتى تنقض عليها وتخطف قطع الخبز -التي نتسلى برميها لها- في الهواء على الطاير. ‏

أنطاكية ‏

المدينة الثانية في ولاية حلب هي أنطاكية هذه المدينة التي كانت مشهورة بفخامتها وغنى أهلها هي اليوم ليست أكثر من قرية كبيرة مهجورة بيوتها من طين وتبن، دروبها الضيقة الموحلة تجعل الأمر حفلا للبؤس والفوضى، تنتشر بيوتها على الضفة الجنوبية لنهر العاصي، في نهاية جسر متهالك، وهي محمية من الجنوب بجبل متصل بالسور قديم، المسافة بين المدينة الحالية والجبل تقريبا مئتي (سقف) وهذه المسافة مزروعة بالحدائق والركام غير المفيد. ‏

رغم خشونة سكان أنطاكية فإنها كانت ذات يوم أكثر نظافة من حلب وكانت تعتبر مستودعاً لبضائع الأوروبيين، عندما تقطع مصب العاصي، الذي يقع إلى الأسفل قليلا فإننا نستطيع أن نصعد في النهر بوساطة مراكب مزودة بمجاديف وليس بوساطة مراكب شراعية كما يقول (الرحالة بوكوك)، مجرى النهر سريع جداً، السكان المحليون الذين لا يعرفون الاسم (oronte) الذي نطلقه على النهر يسمونه العاصي، أي المتمرد، وعرض مجراه في أنطاكية يصل إلى أربعين قدم، قبل المصب بسبعة مراحل يمر النهر في بحيرة غنية جداً بالأسماك ولاسيما الأسماك الثعبانية، في كل سنة يتم تمليح أعداد كبيرة منها ومع ذلك فهذه الكميات الكبيرة من الأسماك المملحة لا تكفي الاستهلاك الكبير في عيد فصح اللاتين، فيما عدا هذا لا شيء في أنطاكية لا خشب الدفنى، ولا المشاهد الحسية التي كانت مسرحا لها فيما مضى، ومع هذا فسهل أنطاكية يضم تربة غاية في الجودة والخصب إلا أنه مهمل ومتروك للرعاة التركمان، بينما الجبال المحيطة بمجرى النهر مغطاة بالبساتين من تين وزيتون وكرمة وتوت، ومن الغريب -وهو شيء نادر في الإمبراطورية- أن الأشجار المثمرة مزروعة بترتيب خماسي، حتى أن هذا المنظر الرائع يضاهي أجمل بساتيننا. ‏

الملك المكدوني (Seleucus avoitau) الذي بنى أنطاكية قام أيضا ببناء مدينة تحمل اسمه (سلوقية) على الضفة اليمنى للنهر ولكن اليوم لم يبق فيها بيت واحد، كل ما نراه آثارا قديمة تشهد على فخامة هذه المدينة، كما نرى في البحر بقايا رصيفين هما الميناء القديم المتهدم الآن حيث أصبح مكانا فضل لصيادي الأسماك من أهل المدينة والذين يدعون هذا المكان (سويدية)، ومن هنا عندما نصعد إلى الشمال بمحاذاة شاطئ البحر المحصور بسلسلة من الجبال العالية والتي كان الجغرافيون القدماء يطلقون عليها اسم (Rhosus) وهذا الاسم يبدو أنه مأخوذ من السريانية (ras) كما في (رأس الخنزير) مثلاً الذي يشكل زاوية مثل رأس الخنزير في شمال أنطاكية. ‏

إن الخليج الذي يمتد إلى الشمال من أنطاكية لا يلفت النظر إلا من مدينة اسكندرونة التي تعطيه اسمها أيضاً فيسمى خليج اسكندرونة، هذه المدينة القائمة على شاطئ البحر هي في الحقيقة ليست أكثر من قرية كبيرة من دون أسوار تحميها، يوجد فيها من القبور أكثر مما فيها من البيوت، ويعيش أهلها بفضل المرسى العميق للسفن، وهو على ما يقال فإن أرضيته هي الأكثر صلابة من بين جميع مراسي سورية، ويمسك مرساة السفينة بصلابة من دون الإضرار إلى قطع الكوابل، وهذا المرسى مع ذلك فيه مجموعة من الصعاب التي يجب معرفتها وإلا أصبح استعماله خطراً: ‏

- يتعرض في الشتاء لريح محلية يسميها بحارتنا (le raguier) والتي كأنها عاصفة تسقط من السماء المغيمة فوق الجبال، تقتلع مراسي السفن وتقذف بها إلى مسافات بعيدة. ‏

- في الشتاء عندما تبدأ الثلوج تغطي الجبال المحيطة بالخليج فإنها تجلب ريحاً شمالية تستمر من ثلاثة إلى أربعة أشهر يصبح خلالها الدخول إلى الخليج غير ممكن. ‏

- الطريق من اسكندرونة إلى حلب مليء باللصوص الأكراد الذين يكمنون في الصخور على جانبي الطريق والذين يسطون بقوة السلاح على أعتا القوافل. ‏

- وأخيرا هناك سبب أقوى من كل الأسباب السابقة إنه فساد هواء اسكندرونة إلى درجة غير عادية، ونستطيع أن نؤكد أن هذا الهواء يحصد في كل سنة ثلث أرواح طواقم السفن القادمة إلى اسكندرونة، بل رأينا بعض السفن التي أرست لشهرين فقط وقد قُضي بالكامل على طاقمها، والهواء لا يفسد على مدار العام ولكن هذه الآفة تمتد من شهر أيار إلى نهاية أيلول، وأعراضها حمى متقطعة عنيفة جداً، وبتهتك في الكبد ينتهي بداء الاستسقاء، وهناك أيضا مدن عكا وطرابلس ولارنكا تتعرض لهذه الآفة وإن بشكل أقل من اسكندرونة، في كل هذه الأماكن نجد نفس الشروط المحلية لانتقال العدوى، المياه الراكدة، الأبخرة النتنة، هي الأسباب الحقيقية لهذه الآفة، وحتى نستكمل كلامنا عن هذه الآفة نقول إنها لم تظهر في السنوات التي سقط فيها المطر، وللأسف فإن اسكندرونة محكومة بطبيعتها، فالسهل حيث تقوم هذه المدينة منخفض جداً ومسطح جداً حتى أن الجداول لا تجري فيه وبالكاد تصل إلى البحر، وفي الشتاء عندما تمتلئ هذه الجداول وتصل إلى البحر يكون البحر بدوره مرتفع الموج فيمنعها من تفريغ مائها فيه فتجبر على التدفق في السهل مكونة مئات البرك الصغيرة، وفي الصيف يفسد الهواء بسبب حرارة الشمس وينطلق بخار فاسد من المياه الآسنة للبرك، ولا تستطيع هذه الأبخرة أن تندثر في الهواء أو تبتعد عن المدينة بسبب الجبال المحيطة بها بشكل تام.‏